كريستوفر نولان باختصار
يعد كريستوفر نولان واحد من أكثر المخرجين حضورًا وتأثيرًا في السينما المعاصرة، سواء على مستوى شباك التذاكر أو في المخيال الثقافي العام. أفلامه تحقق نجاحًا جماهيريًا ضخمًا، وتُقدَّم بوصفها أعمالًا "ذكية" تتطلب انتباهًا خاصًا، وغالبًا ما يُشار إليه باعتباره نموذج المخرج الذي جمع بين السينما التجارية والطموح الفكري. هذا الإجماع شبه المقدس حول اسمه هو ما يدفعني للكتابة عنه، لا بدافع الخصومة الشخصية، بل اعتراضًا على صورة ثقافية صُنعت له وجرى ترسيخها بلا مسائلة. نولان ليس مخرجًا رديئًا، لكنه مخرج حُمِّل أكثر مما يحتمل، إلى درجة أصبح معها أي تشكيك في قيمته الفنية يُفهم بوصفه سوء ذائقة أو عجزًا عن "الفهم". ما أرفضه هو هذا الخلط المزمن بين التعقيد والعمق، وبين البناء السردي الملتوي ووجود فكرة سينمائية حقيقية.
من أكثر المفارقات دلالة في مسيرته أن الفلم الذي أراه الأكثر تماسكًا والأفضل سرداً من جميع أعماله هو The Dark Knight من سلسلة أفلام البطل الخارق "باتمان"، وقد ذكرت إعجابي به في مقال سابق لي بعنوان ”عن الأفلام ”الأوفرريتد“ التي تستحق مكانتها“. هذا الفلم تجاري بحت ومباشر، لا يتظاهر بأنه يناقش الزمن أو الوعي أو طبيعة الوجود. لا يشرح نفسه، ولا يدّعي الفلسفة، ولا يحاول إثبات أنه "أذكى" من جمهوره. وهنا تحديدًا يبدو نولان في أفضل حالاته: حين يتخلى عن قناع المفكر السينمائي، ويقبل بدوره كمخرج استعراض محكم، يعرف كيف يدير الإيقاع والصورة والصراع دون ادعاءات إضافية.
جوهر إشكاليتي مع سينما نولان يكمن في انحيازه شبه الدائم للشكل على حساب المعنى. أفلامه ضخمة، مصقولة، مبهرة تقنيًا، لكنها في كثير من الأحيان تترك فراغًا فكريًا واضحًا. الزمن يتكسر، الموسيقى تضغط، السرد يلتف على نفسه، لكن السؤال البسيط يظل معلقًا: ما الذي يريد هذا الفيلم قوله فعلًا؟ ليس كيف يعمل، بل لماذا وُجد أصلًا.
أمثلة دالة
فلم Dunkirk في رأيي هو أسوأ فلم في مسيرة نولان. ليس لأنه فاشل تقنيًا، بل لأنه المثال الأكثر تطرفًا على سينماه حين تُفرَّغ من أي بعد إنساني حقيقي. ما زلت أتذكر خروجي من صالة السينما، وشعرت بندم حقيقي على استهتاري بدفع ٤٥ ريال مقابل تجربة سينمائية جوفاء، لا تملك سوى الضجيج، ولا تبرر ثمن حضورها. فلم حرب بلا شخصيات، بلا سياق أخلاقي، وبلا رؤية تتجاوز التجربة الحسية المباشرة. الحدث التاريخي يُختزل إلى توتر صوتي وبصري متواصل، وكأن الرعب الجماعي للحرب يمكن اختزاله في إيقاع متسارع وموسيقى خانقة. لا سياسة، لا أسئلة، لا أثر إنساني طويل المدى. مجرد تمرين في السيطرة الشكلية، ينتهي دون أن يترك فكرة واحدة قابلة للتأمل. تلك الـ٤٥ ريال التي لن تعود إليّ، ومضت بخفة لا تليق بندمي… ولا عزاء لضياعها…
أما Memento، الذي يُستدعى عادة كدليل قاطع على "عبقرية" نولان، فهو مثال آخر على تقديم الحيلة السردية بوصفها غاية بحد ذاتها. نعم، البناء الزمني ذكي، وكان مبتكرًا في لحظته، لكن الفيلم منشغل بكيفية السرد أكثر من انشغاله بدلالات فقدان الذاكرة، أو هشاشة الحقيقة، أو أخلاقيات الانتقام. الفكرة موجودة اسميًا، لكنها لا تُستثمر بعمق، بل تُستخدم كذريعة لاستعراض براعة بنيوية.
قد يكون ما سأسرده الآن أكثر فقرات المقال إثارة للجدل، لكن مع أن Interstellar يُقدَّم بوصفه عملًا إنسانيًا عن الحب والزمن والبقاء، إلا أنه في جوهره عرض تقني طويل، مُغلَّف بخطاب عاطفي جاهز. فكرة الحب كقوة كونية لا تُبنى دراميًا ولا تُختبر فلسفيًا، بل تُستدعى عند النقطة التي يعجز فيها السيناريو عن إنتاج حل سردي أكثر اتساقًا.
اللافت أن معظم الإشادة بالفيلم لا تنبع من قصته أو شخصياته، بل من مقدار دقته العلمية وما أُنجز خلف الكاميرا من أبحاث في الفيزياء والكونيات، وكأن القيمة السينمائية هنا تُقاس بمدى اقتراب الفيلم من المحاكاة العلمية لا بقدرته على خلق تجربة شعورية أو درامية مكتملة. كل شيء مُفسَّر ومُشرح، ومع ذلك يخرج الفيلم باردًا على مستوى الإحساس. العمق هنا مُعلن عنه، لا مُنجزًا فعليًا، وكأن الفيلم يطلب الإعجاب بعلمه بدل أن يستحقه بسرده.
وهذا يقودني إلى مسألة الطول الزمني. لديّ قاعدة شخصية أطبقها على معظم الأفلام: أي عمل يتجاوز ساعة واثنتين وأربعين دقيقة يخسر تلقائيًا نقطة من تقييمي له، إلا إذا نجح في جعل الزمن غير محسوس. اسميها بـ"قاعدة ١:٤٢"، وأطبقها على جميع الأفلام بغض النظر عن نوعها ومخرجها وموضوعها.
فلم Parasite للمخرج العظيم بونغ جون هو مثال واضح على كيفية إدارة فيلم طويل بإيقاع محكم، حيث يتدفق السرد دون ترهل، ويُستثمر كل مشهد لخدمة الفكرة والشخصيات. فلم Oppenheimer، على النقيض، مثال صارخ على الطول غير المبرر. فيلم مثقل بالشرح، بالإلحاح، وبإعادة صياغة الفكرة نفسها من زوايا متعددة دون إضافة حقيقية. ثلاث ساعات تقريبًا تُهدر في محاولة إقناع المشاهد بأهمية ما يشاهده، بدل الوثوق بذكائه أو بقدرة الصورة على التعبير. الطول هنا لا ينتج عن عمق، بل عن خوف من الاختزال، وعن عدم ثقة في المتلقي. وهذه مشكلة تتكرر مع نولان مرة بعد مرة.
المقارنة هنا ضرورية لتوضيح ما يفتقده نولان، لا لإجراء مفاضلة سطحية. دينيس فيلنوف، على سبيل المثال، مخرج كندي بدأ بأفلام نفسية مكثفة قبل أن ينتقل إلى مشاريع ضخمة مثل Arrival وBlade Runner 2049 وDune. يعمل في مساحات قريبة من نولان من حيث الحجم والموضوع، لكنه يفهم قوة الصمت، والغموض، والاقتصاد السردي. أفلامه تترك فراغات مقصودة، وتثق بالمشاهد، ولا تُحوّل الشرح إلى بديل عن الفكرة.
أما ديفيد فينشر، فهو حالة مختلفة تمامًا. مخرج أمريكي عُرف بدقته البصرية وبرودته المتعمدة، وأفلام مثل Se7en وZodiac وThe Social Network وGone Girl تُظهر كيف يمكن استخدام التحكم والصرامة كأدوات نقدية حقيقية، لا كقناع يخفي فراغًا. فينشر يصنع أفلامًا ثقيلة، نفسية، ومقلقة، دون أن يصرخ في وجهك بأنها كذلك، ودون أن يشرح لك ما يجب أن تفكر فيه.
من السهل أن يُساء فهم هذا المقال المتواضع بوصفه موقفًا نخبويًا، أو اعتراضًا على السينما الجماهيرية لمجرد انتشارها. لكنني لا أرى الشعبية عيبًا بحد ذاتها، ولا أتعامل معها كمأخذ نقدي. أحب ديفيد فينشر، وأعد بول توماس أندرسون، بكل جماهيريته ومكانته، أحد أعظم مخرجي عصرنا، وأعشق ويس أندرسون. الإشكال عندي ليس مع الرواج، بل مع استحقاقه. مشكلتي مع نولان أنه يصنع أفلامًا تُشعر جمهورها بالذكاء أكثر مما تطلب منه تفكيرًا فعليًا… سينما تشرح نفسها باستمرار، تخشى الالتباس، وتستبدل العمق بالإبهار.
ولأن نولان يُقدَّم دائمًا بوصفه مرجعًا لمن يبحث عن الجمال، والإثارة، و"السينما الذكية"، فإليك أمثلة لأفلام تقدم التجربة نفسها، وتقدمها على نحو أكثر اكتمالًا:
Interstellar → 2001: A Space Odyssey (dir. Stanley Kubrick)
Dunkirk → 1917 (dir. Sam Mendes)
Memento → Nightcrawler (dir. Dan Gilroy), Enemy (dir. Denis Villeneuve)
Oppenheimer → Lincoln (dir. Steven Spielberg).
Inception → Paprika (dir. Satoshi Kon)
في النهاية، تفضيل فلم على آخر أو مخرج على غيره مسألة ذوقية بالكامل، ولاعيب في الاستمتاع بسينما نولان أو الدفاع عنها. لكن في هذه النشرة المتواضعة لن يجد اسمه مديحًا. ليس كرهًا فيه، بل رفضًا لفكرة أنه الذروة التي يجب أن نقيس بها كل شيء آخر.




