الفنان المهووس: جنون العبقرية على الشاشة
منذ بدايات السينما، شكلت صورة "الفنان المهووس" (The Obsessed Artist) محوراً متكرراً في السرد البصري، تارةً تفتن الجمهور، وتارةً تثير فيهم القلق والرهبة. لا يُقصد بـ"الفنان المهووس" مجرد مبدع شغوف، بل شخص تلتهمه رغبته في الإبداع حتى آخر ذرة من كيانه، يقدّم فنه على صحّته، وعلاقاته، وحتى على المنطق نفسه. هذا النمط من الشخصيات يطرح تساؤلات وجودية عن الخيط الرفيع بين العبقرية والجنون، وعن الثمن الحقيقي للإبداع في أنقى صوره وأكثرها تطرفاً.
حين يولد الفن من المعاناة
تعود جذور هذا التصوّر إلى قرون مضت، حين ارتبط الإبداع بالألم والمرض، وتحديداً بمرض الدرن (Tuberculosis)، الذي رافق البشرية منذ العصر البرونزي، نحو ٣٠٠٠ سنة قبل الميلاد. على عكس أوبئة أخرى مثل الطاعون الأسود، أو الإنفلونزا الإسبانية في بدايات القرن العشرين، وحتى جائحة كورونا في العقد الحالي، لم يختفِ الدرن، بل قاوم الزمن وتطوّر الطب، وظل السبب الأول للوفاة بين الأمراض المعدية لفترات طويلة.
تميّز الدرن عن غيره من الأمراض في القرن ١٩ بشيء فريد: لم يُصِب الفقراء وحدهم، بل اجتاح قصور الملوك وأروقة الفنانين. مات بسببه شخصيات بارزة مثل الملك هنري السابع، ولويس الثالث عشر، وسلطان الدولة العثمانية محمود الثاني، والكاتب العظيم فرانز كافكا.
وقد نُظر إلى الدرن آنذاك بنوع من الرومانسية، ليس فقط لعدم اقتصاره على طبقة اجتماعية بعينها، بل لما ارتبط به من مظاهر جسدية ونفسية أصبحت في المخيال الثقافي الغربي رمزاً للجمال العابر والروح الحساسة. كان المرض يتقدم ببطء، فيمنح المريض ملامح الشحوب والنحول والهدوء التأملي، وهي صفات اعتُبرت في ذلك الزمن كعلامات رقة الإحساس والعمق الوجداني. كما ساعد الأدب والفن الرومانسي في ترسيخ هذه الصورة من خلال تصوير المصابين بالدرن كشخصيات مأساوية ملهمة.
كما ساهمت الظروف المعيشية القاسية التي عاشها كثير من الفنانين، من فقر واكتظاظ في السكن وسوء التهوية، في انتشار المرض فيما بينهم. كما أن طبيعة حياتهم المتنقلة والمعزولة اجتماعيًا أحياناً زادت من قابليتهم للإصابة، ما رسّخ العلاقة بين المرض والإبداع في المخيال الثقافي لتلك الحقبة.

في عام ١٩٢٢، كتب موريس فيشبرغ في كتابه "Pulmonary Tuberculosis":
"يُظهر مرضى الدرن من الشباب قدرة إبداعية هائلة. خصوصاً أولئك الذين ينتمون إلى الطبع الفني... فهم في حالة من التوتر العصبي المستمر، ومع أن ذلك يضرّ بصحتهم، فإنهم لا يتوقفون عن العمل ويُنتجون أفضل ما لديهم".
تجذرت فكرة "الإبداع من الألم"، بل وتحوّلت إلى معتقدٍ فني. كان يُظن أن الدرن يصفي الروح ويصقل الإحساس الفني، كما عبّر تشارلز ديكنز في رواية ”نيكولاس نيكلبي“، حين وصف المرض بأنه "يصقل الإنسان، ويجعله أقرب للروح، وأبعد عن الجسد، فيستعد للموت بروحٍ خفيفة، بينما يذبل الجسد حبةً بحبة."
ونتيجة عن ذلك، بدأت صورة الفنان المعذب تترسخ في الوعي الجمعي بوصفه النموذج الأعلى للعبقرية الفنية. لم يعد الاكتئاب أو القلق أو الاضطراب النفسي يُنظر إليه كمعاناة يجب التخلص منها، بل كعلامة على الحساسية الفائقة والعبقرية الخارجة عن المألوف. شخصيات مثل فان غوخ، سيلفيا بلاث، ودوستويفسكي أصبحت تُستدعى دائمًا كمراجع لهذا النمط، ليس لأنهم عانوا فقط، بل لأننا نؤمن (بوعي أو دون وعي) بأن تلك المعاناة هي ما منح فنهم ذلك العمق والصدق والتفرد، وكأن الألم شرطٌ للجمال. وهكذا نشأت قناعة شبه جماعية بأن الفنان الحقيقي لا بد أن يعاني، وأن الإبداع الأصيل لا يولد إلا من عمق الألم والصراع الداخلي. فكلما ازداد الفنان اضطرابًا، ازدادت أعماله صدقاً وتأثيراً.

كيف يصوِّر الفن السابع الفنان المعذب؟
بدأ تجسيد هذه الفكرة على الشاشة في العصر الذهبي لهوليوود. إحدى أقدم الصور السينمائية للفنان المهووس كانت عبر شخصية "نورما ديسموند" في فلم "Sunset Boulevard" (١٩٥٠). جسّدت نورما فنانة تائهة بين أمجاد الماضي وخيال العودة إلى الأضواء. أدى افتتانها الذاتي إلى انهيارها النفسي، فكانت صورتها تجسيداً قاتماً لمصير الفنان الذي يرفض تقبل الواقع، ويسلم عقله للوهم.
تتناول القصة ثيماتٍ مثل العزلة، الانفصال عن الواقع، والضغط النفسي الناتج عن ملاحقة الكمال. وقد أصبحت هذه الصورة معيارًا لما تبنّته السينما لاحقًا في معالجة شخصية الفنان المهووس.
الهوس تحت المجهر السايكولوجي في القرن الواحد والعشرين
رغم قدم الفكرة، إلا أن معالجتها تطورت بشكل ملحوظ في القرن ٢١، لم تعد السينما تكتفي بعرض الفنان المهووس كمجنون، بل بدأت الغوص في أعماقه النفسية، وتفسير حالته من خلال عدسة الصحة العقلية والضغوط الاجتماعية.
في فلم "Black Swan" (٢٠١٠)، نتابع رحلة "نينا" راقصة الباليه في سعيها المحموم لأداء مثالي في عرض Swan Lake. أدت الضغوط النفسية من والدتها والمخرج ونفسها إلى فقدان نينا لهويتها وتماهيها مع الشخصية التي تؤديها، حتى أصبحت غير قادرة على التمييز بين الواقع والخيال. الفيلم لا يروي قصة نجاح، بل انهيار. ويوضح كيف يمكن أن يُدمّر الهوس صاحبه.
وفي "Birdman" (٢٠١٤)، نرى صورة الفنان المتقادم "ريجان تومسون" الذي يحاول إثبات نفسه كممثل مسرحي بعد أن كان نجماً سينمائياً سابقاً. يعيش ريجان صراعاً داخلياً بين ماضيه كبطل خارق وبين رغبته في تقديم شيء فني "حقيقي". تتشابك الهلوسة مع الواقع في الفيلم، تماماً كما تتداخل شخصية الفنان مع فنه، ليشكلا معاً ملحمة نفسية عن الغرور، والخوف من النسيان، والبحث الأبدي عن المعنى الذاتي.
أما فلم "Whiplash" (٢٠١٤)، فقدّم صورة مختلفة لكن متكاملة. تدور القصة حول "أندرو نيمن"، شاب موهوب في عزف الطبول، يجد نفسه تحت رحمة مدرّس موسيقى قاسٍ يُدعى "فليتشر". يضغط فليتشر عليه حتى تنهار علاقاته ويبدأ جسمه في الانهيار، كل ذلك من أجل "العظمة". الأداء الرائع لكل من جي. كي. سيمونز ومايلز تيلر جعل الفلم مرآة حقيقية للهوس الفني في صورته الأكاديمية المعاصرة.
لماذا نُفتن بالفنان المهووس؟
ننجذب إلى صورة الفنان المهووس لأنها تجسد التوتر العميق بين العبقرية والهاوية، بين السمو الإبداعي والانهيار الذاتي. هذا النموذج، رغم قسوته، يلامس شيئًا إنسانياً فينا: الرغبة في المعنى، والسعي إلى الخلود عبر الفن، حتى لو كلّف ذلك النفس والجسد. في هذا الهوس، نرى انعكاساً مكثفاً لصراعاتنا مع الطموح، والهوية، والحدود بين الواقع والخيال. ولعل أكثر ما يجعل هذا الطرح حياًّ ومستمراً هو تساؤله الضمني: هل يمكن للفن أن يولد دون ألم؟ وهل الثمن الباهظ للإبداع هو ما يمنحه قيمته؟




