لماذا معظم أفلام الرعب سيئة؟
لو سألتني عن أكثر نوع سينمائي لا أفضّله، فلن أتردد في الإجابة: الرعب. يظن كثيرون أن السبب يعود إلى حساسيتي المفرطة تجاه الخوف، لكن الواقع عكس ذلك تمامًا. مشكلتي مع هذا النوع لا تكمن في كونه مخيف جداً، بل في أنه نادرًا ما يكون مخيفًا أصلًا.
ولأوضح فكرتي بشكل أعمق، دعني أطرح لك عزيزي القارئ سؤال بسيط: كم فلم رعب صدر خلال السنوات الخمس الماضية يمكن أن تمنحه تقييمًا كامل؟ بل حاول أن تذكر أفلام رعب ممتازة فعلًا خلال العشر سنوات الماضية. حتى مع هذا التساهل، ستجد أن القائمة محدودة للغاية.
كان الرعب في الماضي نوعًا سينمائيًا استثنائيًا، لا يكتفي بتقديم أفلام جيدة ضمن حدوده، بل يقدّم أعمالًا تُعد من أعظم ما أُنتج في تاريخ السينما. أفلام مثل The Shining، الذي تناولته سابقًا في مقال لي بعنوان "ماهو التمثيل الجيد؟"، إلى جانب The Exorcist وAlien وRosemary’s Baby، لا تُذكر بوصفها نماذج رعب فحسب، بل كأعمال سينمائية خالدة.
ولذلك، فالسؤال الذي يطرحه هذا المقال لا يتعلق بذوقي الشخصي. التراجع في جودة أفلام الرعب خلال العقدين الماضيين أمر واضح، ويمكن تفسيره بعدة أسباب:
١) الكتابة السيئة
المشكلة الأساسية في جميع أفلام الرعب الحديثة هي النص الضعيف. الشخصيات سطحية، والحبكات غير مكتملة، والتصاعد الدرامي (سواء في التمهيد أو الذروة) يفتقر إلى الإقناع.
في كثير من الحالات، يبدأ صنّاع الفلم بفكرة واحدة، ثم يبنون العمل بأكمله حولها. قد تكون هذه الفكرة دمية ملعونة، أو كائن وحشي بربري، أو أي طرح جذّاب على مستوى الفكرة فقط. لكن هذه الفكرة تتحول إلى بديل عن السرد الحقيقي. هذا الأسلوب قد ينجح في فلم قصير أو إعلان تجاري، لكنه لا يصمد في فلم طويل.
أعمال الرعب القوية لا تعتمد على الفكرة هذه وحدها، بل تقوم على شخصيات مركبة تواجه صراعات داخلية حقيقية بالتوازي مع الخطر الخارجي. عندما يغيب هذا البعد، ينفصل المشاهد عن التجربة، لأن الخوف يحتاج إلى ارتباط عاطفي، وبدونه ينهار التوتر.
٢) النمطية والكسل الإبداعي
من أكثر ما يميز الرعب المعاصر بشكل سلبي هو اعتماده على القوالب الجاهزة، خصوصًا الإفراط في استخدام ما يُعرف بالفزعات المفاجئة (Jump Scares).
الفزعة المفاجئة (Jump Scare) هي صدمة سمعية أو بصرية مفاجئة تهدف إلى إرباك المشاهد لحظيًا، كصوت مرتفع أو ظهور مفاجئ. ورغم فعاليتها في حد ذاتها، من المهم التمييز بين الارتباك والخوف. الأول رد فعل غريزي، أما الثاني فهو إحساس عميق. هذا الفرق جوهري. يمكن إدخال فزعة مفاجئة في فلم كوميدي، وستنجح في إحداث ردة فعل، لكن ذلك لا يجعله فلم رعب.
عندما تُستخدم هذه الوسيلة باعتدال ووعي، فيكون لها تأثير كبير. في The Shining مثلًا، لحظة قيام جاك بنزع الورقة من الآلة الكاتبة بشكل مفاجئ، مع توقف الموسيقى، تخلق صدمة تخدم المعنى، إذ تعمّق إدراكنا لاضطرابه النفسي وتزيد من توتر المشهد.
أما في الأفلام الضعيفة، فتُستخدم الفزعات بشكل متكرر لتعويض غياب المحتوى.
وينطبق الأمر نفسه على الإفراط في المشاهد الدموية (gore). فكما هو الحال مع الفزعات، يُساء فهمها على أنها عنصر رعب بحد ذاته، بينما هي في الغالب تثير الاشمئزاز أكثر مما تثير الخوف، ولا تضيف قيمة حقيقية للتجربة.
٣) غياب العمق
المشكلة الأساسية، كما ذكرت أعلاه، في أفلام الرعب الحديثة هي الكتابة والتنفيذ السيء، مما يؤدي إلى غياب عمق القصة ومعناها الجوهري. هذه الأفلام تكتفي بفكرة سطحية، وتتعامل مع الرعب كحدث خارجي منفصل عن أي معنى أعمق. لا توجد طبقات، لا يوجد تأمل، ولا محاولة لربط ما يحدث بأي بُعد إنساني أو فكري. كل ما يُقدَّم هو سلسلة من المواقف "المخيفة" دون سياق حقيقي يمنحها وزنًا.
الرعب، في جوهره، لا ينبع من الحدث نفسه، بل مما يمثّله. لكن عندما يُختزل في مجرد مواقف أو صور، يفقد أثره سريعًا. المشاهد يرى، يتفاعل لحظيًا، ثم ينفصل تمامًا، لأن ما يحدث لا يعني له شيئًا.
وهنا تحديدًا يظهر الفرق.
يُعد فلم Get Out مثالًا واضحًا على النقيض. الفلم يوظف عناصر الرعب المعروفة: التوتر، استخدام محدود للفزعات، موسيقى مؤثرة، لكنه يتفوق بفضل بنائه العميق. يقدّم شخصياته وحبكته بدقة، ثم يكشف تدريجيًا عن واقع أكثر إزعاجًا مما يبدو في البداية.
مصدر الرعب ينبع تدريجياً من أحداث متسلسلة ومدروسة. القوة المعادية، وهي العنصرية المقنّعة، تُعرض بشكل واقعي ومقلق. ومع اكتشاف البطل للحقيقة تدريجيًا، يتصاعد التوتر بشكل طبيعي، ويصبح المشاهد جزءًا من التجربة لا مجرد متفرج عليها.
هذا الكشف التدريجي، المبني على الإيحاء، هو ما يصنع كتابة قوية. وعندما تنكشف الحقيقة، يكون أثرها صادمًا ومبررًا في آن واحد.
٤) النهايات الضعيفة
وهنا يتكرر النمط نفسه: المشكلة في جوهرها تعود إلى الكتابة. ويتجلى ذلك بوضوح في النهايات.
النهاية ليست مجرد ختام، بل نتيجة لكل ما سبقها. في البناء السليم، يجمع الفصل الأخير بين تطور الشخصية والفكرة العامة، حيث يواجه البطل الخطر الخارجي وصراعه الداخلي معًا.
سأضرب مثال على Get Out مرة أخرى، يتحقق الذي ذكرته أعلاه بشكل دقيق. بعد أن يدرك كريس حقيقة ما تخطط له عائلة أرميتاج، يبدأ في المقاومة مستخدمًا ذكائه وغريزته للبقاء. تصل الأحداث إلى ذروة مشحونة، وتنتهي بخاتمة مُرضية ومنطقية لأحداث القصة.
في المقابل، تعاني كثير من أفلام الرعب من نهايات متسرعة أو غير مبررة بدافع "الدهشة" أو إيثار الجدل، منفصلة عن البناء الدرامي. وتندرج هذه النهايات أيضًا تحت الكسل الإبداعي، إذ يلجأ العديد من الكتّاب إلى النهايات المأساوية في محاولة لإنقاذ نص فاشل، وموازنة غياب العمق والمحتوى. وإذا كان الأساس ضعيفًا (شخصيات سطحية وقصة مفككة) فإن النهاية تفشل حتمًا.
وفي حالات كثيرة، يكون المشاهد قد فقد اهتمامه قبل أن يصل إلى هذه المرحلة أصلاً.
خاتمة
عندما يُقدَّم الرعب بالشكل الصحيح، يمكن أن يكون من أقوى الأنواع السينمائية تأثيرًا. فالإحساس بالخوف من أعمق المشاعر الإنسانية، ويمكن لفلم متقن أن يثيره بطريقة مباشرة وعميقة، ربما أكثر من أي نوع آخر.
ومع ذلك، لا أريد التعميم. فليست كل أفلام الرعب الحديثة ضعيفة. فيما يلي قائمة مختصرة بأفلام حديثة أرى أنها (رغم موقفي العام من أفلام الرعب) تستحق تقييمًا أعلى من نجمتين:
Talk to Me
Hereditary
Weapons
The Menu
Get Out
A Quiet Place
هذه الأعمال تؤكد أن المشكلة لا تكمن في نوع الرعب نفسه، بل في طريقة التعامل معه. فالرعب لا يزال قادرًا على تقديم أعمال عظيمة، لكنه في أغلب الأحيان يكتفي بما هو أقل بكثير…







اختيارك مميز
The menu تصنيفه رعب اول مره اعرف لكن كان مره جيد وممتع وتوفق في ان يربكني