عن الأفلام "الأوفرريتد" التي تستحق مكانتها
في مقال سابق لي بعنوان "لستَ مضطراً أن تحب الأفلام "الصحيحة""، تحدثت عن الضغط الاجتماعي الذي يتعرض له عشاق السينما: إن لم تُعجبك كلاسيكيات مثل أعمال هيتشكوك أو أفلام مثل كازابلانكا، فأنت متهم تلقائياً بقصور الذائقة أو بعدم استحقاق لقب "سينيفايل". وما أريد أن أضيفه في مقالنا اليوم هو أن هذا الضغط لا يسير في اتجاه واحد فقط، بل إن له وجهاً آخر لا يقل قسوة، وهو شعور كثيرين بأن محبة الأفلام الجماهيرية أو المصنفة بـ"overrated" أو "مبالغ في تقديرها" يُنقص من قيمتك كعاشق للسينما. وكأن الإعجاب بفلم يحبه الجميع يجعلك سطحياً أو محدود الأفق.
الحقيقة أنني أجد في هذا الموقف تناقضاً صارخاً. نعم، ليس صحيحًا أن يختزل المرء السينما في أعمال كريستوفر نولان مثلاً، أو في سلسلة مارفل الكارثية فقط، لكنه ليس صواباً أيضاً أن نرفض فلماً عظيماً لمجرد أنه حظي بشعبية جارفة. كثير من هذا "الرفض" ليس نقداً حقيقياً بقدر ما هو استعراض ثقافي: نوع من إعلان الهوية السينيفيلية على حساب المتعة الخالصة.
أبرز النماذج التي تنطبق عليها الصفة
The Godfather
لنبدأ من المثال الأوضح: The Godfather. هذا الفلم أصبح هدفاً مفضلاً للسخرية، حتى إن بعض النكات الشعبية تصفه بأنه "يفرض نفسه". لكن من يشاهد الفيلم بعين منفتحة سيدرك أنه تحفة سينمائية بكل المقاييس: صورة مظللة بحس جمالي نادر، موسيقى تحمل ثقل المأساة، وشخصيات مركّبة تُعرّي التداخل بين العائلة والسلطة والجريمة. أنا شخصياً أرى أن ثلاثية The Godfather قدّمت درساً متكاملاً في كيفية المزج بين الدراما الإنسانية والملحمة الإجرامية، حتى وإن اختلفنا حول مستوى الأجزاء اللاحقة.
The Dark Knight
ثم هناك The Dark Knight. أعترف بأني لست من محبي نولان على الإطلاق. لكن لا يمكن إنكار أن هذا الفلم تجاوز حدود "فيلم الأبطال الخارقين" بفضل الأداء التمثيلي تحديداً. الممثل الراحل هيث ليدجر في دور الجوكر قدم شخصية أيقونية تقترب من الأسطورة، لدرجة أنها غيرت معيار الحكم على تمثيل الأشرار في السينما. لم يكن الأمر عن مؤثرات أو حبكة معقدة بقدر ما كان عن قوة تجسيد ممثل واحد، وجرأته على تحويل شخصية مرسومة على الورق إلى كائن حي، غريب، مرعب، وساحر في الوقت ذاته.
Inglourious Basterds
لطالما كانت علاقتي بتارانتينو معقّدة. كثير من شخصياته تتحدث بلسانه هو، كأنّ نصوصه مرآة لغروره أو لخياراته المحدودة. ومع ذلك، Inglourious Basterds كان تجربة مختلفة تماماً. لا أبالغ إن قلت إنّ الفيلم أذهلني حين شاهدته لأول مرة. جزء كبير من هذا يعود إلى أداء كريستوف فالتس في شخصية العقيد هانز لاندا. كان أدائه استعراضاً مذهلاً للقسوة المغلفة بالتهذيب، وللخوف الذي يتسلّل إلى قلبك من مجرّد ابتسامة. مشهد المزارع الفرنسي في الافتتاح وحده كافٍ ليجعل الفيلم راسخاً في الذاكرة. حتى براد بيت الذي لا أفضله عادة كان مقنعاً على نحو غريب. نعم، قد يكون "مبالغاً فيه"، لكنه كذلك لأنه ببساطة رائع.
12 Angry Men
من الصعب أن أتحدث عن الأفلام "المبالغ في تقديرها" من دون ذكر 12 Angry Men. رغم مرور عقود على صدوره، يظل هذا الفيلم محتفظاً بقدرته على جذب المشاهدين، ليس بالديكور أو المؤثرات، بل بالكلمة والحوار والصراع الإنساني. فلم كامل في غرفة واحدة، ومع ذلك يخلق عالماً من التوتر والأسئلة الأخلاقية. سبق أن كتبت عنه في مقالي عن سيدني لوميت، وهذا وحده يكفي ليثبت مكانته، فالفيلم الذي يستحق أن يُذكر أكثر من مرة، لا بد أن يكون قد بلغ مستوى من الجودة والخلود لا يمكن إنكاره.
كوبريك: عبقرية يصعب إنكارها
كثيرون يرون أنّ ستانلي كوبريك مُبالغ في مكانته. وأنا أتفهم ذلك: شهرته وصلت لدرجة أنه صار أيقونة ثقافية يتداولها حتى غير المهتمين بالسينما. لكنني شخصياً لم أجد فلماً له أستطيع أن أكرهه. أما The Shining مثلاً، فهو أحد أكثر الأفلام التي أحبها. أداء جاك نيكلسون هناك ليس مجرد دور، إنه انهيار نفسي يتجسد أمامك على الشاشة لحظة بلحظة، بلا حاجة إلى كلمات. وقد سبق أن تناولت هذا الأداء بالتحديد في مقالي "ما هو التمثيل الجيد؟"، لأنه بالنسبة لي النموذج الأوضح على معنى "الأداء الأسطوري". حين أشاهد ذلك الفيلم أقول: هذه هي السينما، ولهذا السبب تماماً أجد نفسي أعود للحديث عنه مراراً، لأنه ببساطة فيلم يستحق التكرار.
أما 2001: A Space Odyssey فهو تجربة فريدة في الرعب الصامت. كل تلك المساحات المجردة، الصمت المخيف، الحضور المقلق للآلة. كان الفيلم سابقاً لعصره، ومع ذلك يظل حتى اليوم واحداً من أكثر التجارب السينمائية إزعاجاً وإلهاماً في آن واحد.
عن سر التمثيل
ما لاحظته وأنا أكتب عن هذه الأمثلة أن القاسم المشترك بينها هو الأداء التمثيلي. لستُ ممن يعتقدون أن التمثيل وحده يصنع فلماً عظيماً، لكن ثمة شيء في هذه الأفلام يجعل التمثيل يتجاوز كونه "عنصراً" ليصبح روحاً. لعل السبب أنّ الأفلام "المبالغ في تقديرها" غالباً ما تكون مُحاطة بضجيج نقدي وإعلامي، فلا يبقى في النهاية ما يقنعك حقاً إلا حضور الممثل أمامك. التمثيل هو ما يخترق الضوضاء ويعيدك إلى قلب التجربة الإنسانية. ربما لهذا السبب، كلما فكّرت في فيلم أُتَّهم بأنه "أوفرريتد"، وجدت نفسي أسترجع وجهاً، صوتاً، أداءً، أكثر من أي شيء آخر.
الخلاصة
كوني محبة للسينما لا يعني أن أرفض الأفلام المشهورة ولا أن أذعن للكلاسيكيات لمجرد أنها كلاسيكيات. ما تعلمته هو أن ذوقي يخصني وحدي، وأن متعتي بالفيلم ليست بحاجة إلى ختم موافقة من مجتمع النقاد أو من دوائر السينيفايلز النخبوية. إن أحببتَ الأفلام أعلاه، فهذا لا يقلل من قيمتك كعاشق للسينما. الأفلام العظيمة تبقى عظيمة، حتى لو أحبها "الجميع".




![100+] Heath Ledger Joker Wallpapers | Wallpapers.com 100+] Heath Ledger Joker Wallpapers | Wallpapers.com](https://substackcdn.com/image/fetch/$s_!dKQ7!,w_1456,c_limit,f_auto,q_auto:good,fl_progressive:steep/https%3A%2F%2Fsubstack-post-media.s3.amazonaws.com%2Fpublic%2Fimages%2F5396c20b-9598-4c1e-84f9-359bd6f30260_1920x1080.jpeg)


