متلازمة الرجل اللطيف
والمهمة المستحيلة في حب رجل بلا شخصية
خرجت من فلم "Obsession" للمخرج كاري باركر وأنا في حالة ذهل مما حضرته. واستوعبت بأني شهدت أخطر رجل رأيته على الشاشة منذ فترة طويلة. لم يرفع صوته مرة واحدة، ولم يستخدم سلاح أو عنف. كان مجرد شاب خجول... يحمر وجهه عندما يرتبك، ومع ذلك يحطم حياة كل من يقترب منه. إنها شخصية “بير”، وهو رجل نعرفه جميعاً ونصادفه في كل مكان.
لمن لم يشاهد الفلم، "بير" شاب يعمل في متجر موسيقى، وهو معجب بزميلته "نيكي" منذ الطفولة. يبدأ الفلم وهو يتدرب على اعتراف بحب لا يجرؤ على البوح به. وحين يعجز عن مصارحتها، يلجأ إلى تعويذة خرافية تُدعىOne Wish Willow، فيتمنى أن تحبه "نيكي" أكثر من أي أحد في الوجود، وتتحقق الأمنية بأبشع صورة ممكن أن تتخيلها. تفقد "نيكي" إرادتها بالكامل، وتتحول إلى سجينة داخل جسدها، مجبرة على عشق رجل لم تختره، فيما تقف "نيكي" الحقيقية عاجزة خلف عينيها وتشاهد ما يجري.
وصف كثير من النقّاد شخصية "بير" بأنه الرجل اللطيف في الفلم، وهم على حق. لكن الكثير منهم قالها كوصف محايد، دون أن يدرك كم يحمل هذا الوصف من إدانة. كتبت الناقدة إليزا هويتل في جريدة (The UCSD Guardian) أنه «الرجل اللطيف» في أنقى صوره؛ مرتبك، غير واثق من نفسه، لا هدف له سوى أن يحظى بالفتاة التي يحلم بها. وهنا مكمن الرعب، فكل ما يريده "بير" هو أن يشعر بأنه محبوب، حتى لو كان الثمن تدمير امرأة بالكامل.
وما يعنيني في "بير" هو أنه يختصر فئة عريضة من الرجال أود أن أتناولها بعمق في هذا المقال.
متلازمة «الرجل اللطيف»
لنبدأ من التعريف الذي يطلقه على نفسه: "أنا رجل طيّب". نعم هو لا يضرب النساء، ولا يخونهن، ويُصغي إليهن باهتمام. هذه القائمة القصيرة التي لا تتعدى الحد الأدنى من الأخلاق يحولها في رأسه إلى رصيد ضخم يخوّله المطالبة بحب وإخلاص المرأة، والأهم بجسدها.
وهنا المفارقة. هو يخلط بين ألا يكون همجيّاً وبين أن يكون فاضلاً. أن تمتنع عن ضرب امرأة هو أضعف الإيمان، وأبسط ما يُتوقع من أي إنسان، لكنه يعتبر هذا الحد الأدنى وكأنه بطولة أو إنجاز، وينتظر أن يُكافئ عليه بحنان امرأة.
وقد منح الأخصائي النفسي روبرت غلوفر هذا الصنف اسمه الأدق في كتابه (No More Mr. Nice Guy)، إذ أطلق عليه باسم «متلازمة الرجل اللطيف» (Nice Guy Syndrome). يصف غلوفر صاحب هذه المتلازمة بأنه:
رجل يشعر في قرارة نفسه بأنه غير محبوب كما هو، فيصنع لنفسه شخصية مفصلة على مقاس رضا الآخرين، ليحصل في النهاية على ما يريد. والمفارقة أن أكثر من يتباهون بهذه الصفة هم في الغالب أبعد الناس عن الطيبة الحقيقية.
اللطف والطيبة
هناك فرق جوهري بين الرجل اللطيف والرجل الطيّب، وهذا الفرق وحده يكشف معدن الرجل الحقيقي.
الرجل اللطيف يتعامل بمنطق الصفقة، إذ أن لطفه دائماً مشروط بمقابل. فسرت الأخصائية النفسية كارولين بولوني لصحيفة (HuffPost) أن اللطيف غالباً ما ينتظر عوائد على لطفه. هو يجاملكِ ليكسب رضاكِ، ويُحسن إلى المرأة طمعاً في أن تكافئه على لطفه. يعتبر السلوك عملة، والثمن الذي ينتظره في المقابل هو قلبها أو في الغالب جسدها.
أما الرجل الطيّب فلا ينتظر شيئاً في مقابل أفعاله. طيبته نابعة من تعاطف صادق، يفعل الخير حين لا يراه أحد، ودون أن يترقب جزاءً ولا حتى شكراً. الطيّب يمد يده للعون ثم ينسى ما فعل، واللطيف هنا يُحصي ما قدّم، ويكتم في صدره دفتر حساب، فإذا لم تُسدَّد الفاتورة كما تخيّل، امتلأ غيظاً وحقداً.
ولهذا يذكرني «الرجل اللطيف» بالذكاء الاصطناعي إلى حدٍ ما... يوافق على كل شيء، ويردد ما تقولينه، ولا يعارض أبداً، ولا يملك رأياً يخاطر به إن كان سيكلّفه شيئاً من الرضا. يتشكّل ليصبح ما يظن أنها تريده، تماماً كما يخبركِ تشات جي بي تي بما يتوقع أنكِ تودين سماعه، وذلك لكي تدفعي اشتراكاً شهرياً. وبالتوازي، يظن الرجل اللطيف أن الموافقة الدائمة ستجلب له ما يشتهي منكِ، ولا ذرة إنسانية في كليهما.
الخزنة ورقمها السري
تحت هذا الأداء كله تعمل آلية سمّاها غلوفر بـ«العقد الضمني» (Covert Contract). وفقاً لغلوفر، معظم ما يفعله «الرجل اللطيف» أشبه باتفاق صامت أبرمه معكِ من طرف واحد دون إشعار مسبق، وبنوده بسيطة: يقدّم لكِ المعروف، فتردّين له الجميل بما يشتهي، ويتظاهر الطرفين بأن لم يحدث شيء. وأحد هذه الاتفاقات الثلاثة التي يذكرها يقول حرفياً: "إن كنت لطيفاً، فسأنال الحب والقبول." (No More Mr. Nice Guy).
والمرأة في نظره خزنة مقفلة لا أكثر. يؤمن أن هناك تصرفات محددة تعد رقم سري، وعندما يدخل التسلسل الصحيح (مدحة هنا، ورسالة صباح الخير هناك، وكم هدية بسيطة، ومكالمات قصيرة) فستنفتح الخزنة وتسلمه ما بداخلها. ولكن حين تبقى الخزنة مقفلة، يقرر ببساطة أن العطل في الخزنة، ولا شك في ذلك. ولا حتى يخطر له أن يسأل نفسه: هل هذا الكود يناسب هذه المرأة؟ هل الأرقام التي أدخلتها مناسبة؟ ….هل هي خزنة أساساً....؟ وكلما طال انتظاره زاد إلحاحه وتذمره وتشكّيه. وهذا الإلحاح بالذات هو الذي يفقد الرجل هيبته ويبعد النساء عنه.
"والله أنا سويت كل اللي علي وكنت محترم معها. ليه ما تبيني؟" ثم تأتي المقولة الشهيرة التي نسمعها مراراً وتكراراً: "البنات ما عاد يبون عيال الحلال، ما تبي إلا اللي يدوس عليها."
نلاحظ هنا أنه بنى فلسفة كاملة هرباً من الجملة الوحيدة التي قد تجاوب جميع تساؤلاته، أن المرأة لم تكن يوماً خزنة برقم سري، وأنه لم يملك يوماً حقاً فيما داخلها.
كما ذكرت أعلاه، لطفه مع النساء مشروط من الأساس، فهو يعشق المرأة ما دامت ملتزمة بالدور الذي رسمه لها. هذا ما سمّاه الباحثان بيتر غليك وسوزان فيسك «التحيّز الجنسي الحميد» (Benevolent Sexism)، ضمن نظريتهما عن «التحيّز الجنسي المتناقض»، موقف يبدو في ظاهره تبجيلاً وحرصاً على حماية المرأة، لكنه في جوهره يرى أنها تستحق هذا التقدير ما دامت ممتثلة للدور المرسوم لها، وبمجرد أن تخرج المرأة عن الدور الذي رسمه لها، ينقلب إعجابه بها انتقام، فتكتشف عندها حقيقة ما كان يخفيه تحت لطفه.
والمفارقة أن الواقع لم يكن يوماً في صف عقليته وقناعاته. أثبتت أبحاث وتجارب العلوم السلوكية أن كل من الرجال والنساء يميلون إلى الشريك اللطيف وينفرون من الفظ الوقح بنسبة شبه متساوية (The Conversation). وفي تجارب الباحثين أوربانياك وكيلمان الشهيرة، فضّلت النساء الرجل الدافئ الصادق على الفظ الوسيم مرة تلو الأخرى.
فلماذا تصمد هذه المقولة الأسطورية إذاً…؟ لأنها سهلة ومريحة! تمنح الرجل ذريعة ليلوم النساء بدل أن يلوم نفسه. الرجل الدافئ الطيّب فعلاً جذاب لدى النساء، وقد أثبتت الأبحاث ذلك. أما الرجل الذي يتصنّع اللطف ثم يغلي غضباً حين لا تنجح خطته، فمشكلته ببساطة أن تصنّعه مكشوف.
حين يصبح نقصه عبئ على من حوله
هنا يتحول «الرجل اللطيف» من شخصية تستحق الشفقة إلى عبئ حقيقي. وجذر المشكلة هي انعدام الثقة بالنفس.
جميعنا نشعر بنقص في شيءٍ ما، إلا أن الفارق هو في طريقة التعامل مع هذا النقص. كثير من النساء يعتبرن النقص وانعدام الثقة بالنفس شأناً خاصاً يدار بخصوصية، أما هذا الرجل فيحمّل نقصه إلى ما ومن حوله. لا يطيق شعوره بالضآلة، فيحرص على أن يُشعر من حوله بها كي لا تخنقه.
والدافع في تصرفاته هذه هو الإحساس الذكوري بالاستحقاق. يظن الرجل أن العالم مَدين له بكل ما لذ وطاب، فإذا لم يحصل على ما يشتهي حمّل أقرب امرأة إليه الثمن. ولهذا الاستحقاق في مجتمعنا جذر مألوف.
الولد الذي يكبر على كلام أمه من "مليون بنت تتمناك!" و"يا حظ اللي بتاخذك"، تصبح قيمته في عينه أمراً مفروغاً منه، فلا يرى داعياً لأن يبني نفسه. ثم يكبر فلا يجد ما وُعد به، فيُحمّل النساء مسؤولية خيبته بدل أن يسأل نفسه إن كان قد صدّق مدح ماما أكثر مما ينبغي.
وكثيراً ما يُغلَّف هذا الاستحقاق بلغة التقاليد والعائلة والشرف. يأمر أن يُخدَم فيسمّيه احتراماً، ويرفض أن ينضج فيسميه رجولة، ويُلقي ثقله العاطفي كلّه على زوجة أو أم أو أخت. وهكذا ترث النساء جيلاً بعد جيل مهمة مستحيلة: أن يملأن فراغ رجل لم يكلف نفسه أن يملأه.
وهكذا تغدو تركيبة شخصية "بير" تجسيداً حرفياً لأمنية تمنحه امرأة يتفرّغ وجودها كله لإدارة مزاجه، دون أن تمنحه علاقة حقيقية. فلأنه فارغ باطناً وضميراً، يستعير كل شيء ممن حوله، تصبح المرأة استقراره وبوصلته وسبب نهوضه من السرير. يسمّي هذا حبّاً، وله في الواقع اسم معروف: «العبء العاطفي» (Emotional Labor)، أي أن تطمئنه وتمنحه كرامة عجز عن منحها لنفسه. تؤدي عمل شخصين لأنه يعجز عن أداء عمل شخص واحد.
الرجل الذي يُعتمد عليه، والسيمب (Simp)
يقابل «الرجل اللطيف» نوع آخر صار للأسف أندر مما ينبغي: الرجل الذي يُعتمد عليه. وأعني بالرجل الحقيقي معنى لا علاقة له بالعضلات ولا بالمال ولا بكتمان الدموع. أعني الرجل الذي يقول فيفعل، ويعِد فيُنجز، ويعامل القريب والغريب بالاحترام نفسه، لأن خلقه نابع من داخله لا موجَّه لغاية أنانية. يسمع كلمة "لا" دون أن ينهار، ويحمل نفسه ومن يحب.
وعلى الطرف الآخر يقف «السيمب» (Simp) تُقال الكلمة جزافاً على الإنترنت، وتُلصق ظلماً بأي رجل يحترم امرأة، لكني أعني بها معنى دقيقاً: الرجل الذي يُذلّ نفسه أمام امرأة، يغرقها بالاهتمام والهدايا والموافقة المطلقة، بوصفه استثماراً ينتظر أن يُصرف له حبّاً أو جسداً. هو و«الرجل اللطيف» وجهان لعملة واحدة، كلاهما يعامل التفاني كآلة بيع، يُدخل العملة، فإذا لم تسقط الجائزة طرق الباب غاضباً.
خاتمة
أعود أخيراً إلى المرأة التي حملت الفلم على كتفيها "نيكي". ما عاشته كان عقوبة متنكّرة في ثوب قصة حب. فالأمنية محتها وركّبت مكانها نسخة مبرمجة على عشقه. وكل ما تلا ذلك فعل يقع عليها دون رضاها. كل لمسة اعتداء، وكل ابتسامة يرسمها جسد لم تعد تملك زمامه. تدمّر نفسها، وتدمّر كل من حولها، ويسقط الأصدقاء قتلى، وينهار العالم الذي تمناه "بير" فوق رؤوس كل من حوله.
وفي النهاية، تلتفت نسخة الأمنية من "نيكي" إليه لتقول له أن هذه المجزرة من صنع يديه، وإنها غلطته هو وحده. وهي محقة. إنها غلطته بالكامل. لأن هذا ما يحدث حين تُحمَّل امرأة المهمة المستحيلة: أن تحب رجلاً بلا شخصية.
الأمنية الخارقة مجرّد مؤثر بصري رُسم فوق رعب يومي يتكرر في بيوتنا. امرأة تفرّغ نفسها كي تبث الحياة في رجل أجوف، تمدّه بالدفء والثبات والإرادة والذات التي لم يكلّف نفسه عناء بنائها، فتُستنزف هي حتى آخر قطرة، لينعم هو بشعور عابر بالاكتمال، وتختفي هي.
*تنويه هام:
عزيزي القارئ، إن وجدت نفسك منزعجاً من هذا المقال، أو شعرت أن بعض سطوره أصابتك على نحو شخصي، فربما يجدر بك أن تتوقف أمام هذا الشعور وتسأل نفسك: لماذا؟
راجع أفعالك ونواياك، وتأمل علاقتك بنفسك وبالنساء من حولك. فالوعي بالخلل بداية إصلاحه.
اقرأ، تعلّم، واعمل على بناء ثقتك بنفسك بعيدًا عن وهم الاستحقاق، وبعيدًا عن تحويل النساء إلى مساحة لتسكين نقصك أو إشباع رغباتك. وتذكّر قول الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]. فالمعروف هنا أصل في الاحترام والعدل والرحمة، وليس مجرد مجاملة.
أريد أن أختم هذا المقال بالإشارة بأن موضوعه ليس حكمًا على الرجال جميعًا، بل تحليل وقراءة في نمط معين. ولكن كما ذكرت أعلاه، إن شعرت أن هذا الوصف يطابقك، فربما هذه فرصة نادرة لمواجهة نفسك قبل أن تؤذي غيرك.








اتفق انه مره يحزن كيف في بنات مره كثير هذه حياتهم.
مسلوبين القرار والشخصيه عشان رجال في حياتهم يبحثون عن الحب والثقه بالنفس من مصادر خارجيه يعتبرونها من واجبات النساء في حياتهم
الموضوع هذا يحزني جدا كيف ان هذا النوع من الرجال غالبا مايتلقى عقوبة افعاله وانما الي يتحمل نتيجة افعاله هي امرأة بريئة من الي سواه ( مقال جدا مؤثر لدرجة قريته مرتين من جماله)