نعم، ستشيّخ يوماً ما
لطالما كان التقدّم في العمر خوفاً مشتركاً بين الناس، ولأسباب متعددة. بالنسبة للبعض، التفكير في المستقبل (وخصوصًا فيما له علاقة بالشيخوخة) يثير قلقاً يكاد يكون خانقاً. ماذا لو بلغت الخمسين ولم أحقق الأهداف التي رسمتها لنفسي في العشرينات؟ ماذا لو وصلت الأربعين ولم أبلغ المنصب المهني الذي طمحت له؟ ماذا لو بلغت الثامنة والثلاثين ولم أتزوج بعد ولم أُكوِّن عائلة؟
وبالنسبة لآخرين، المسألة تتعلق غالباً بالشكل. التجاعيد، الشيب، الصلع، تغيّرات الجسد، بطء الحركة، ترهّل البشرة، تغيّر الصوت… يا له من كابوس! يا له من ثقل! وأنا متاكدة بأنه حتى أنت عزيزي القارئ لا تتحمل فكرة التقدم في العمر.
ولكن، إذا نظرنا إلى الأمر بعين عقلانية، يبدو الخوف من الشيخوخة… غير منطقي إلى حدٍ ما… لأنها حتمية بالكامل. لا يمكن تجنبها كما تتجنب النار أو العناكب. وليست حدثاً مفاجئاً كالموت ينهي كل شيء مرة واحدة. الشيخوخة عملية مستمرة، تعيش معها، وتتأقلم معها، وتعيد ترتيب حياتك حولها. تحدث ببطء، وبوضوح، وأمام الجميع. ومع ذلك نهابها.
وهذا لأن الخوف من الشيخوخة ليس بيولوجياً. بل هو خوف صُنِع لنا، ومن قِبَلنا.
نادراً ما تجد مسناً بائساً بسبب عمره المتقدم وحده. كبار السن اعتادوا الفكرة، وتصالحوا معها. الهلع يسكن الشباب، أولئك الذين ما زالوا يقيسون أنفسهم بعيون الآخرين.
الخوف مبالغ فيه، مُضخَّم. ومربح أيضاً.
في فيلم The Substance (2024)، تنهار الممثلة إليزابيث حين يقرر مديرها المتحيّز الاستغناء عنها من برنامجها الرياضي لأنها لم تعد "مناسبة". لم تعد فاتنة بما يكفي، لم تعد سلعة جذابة. فتخضع لتجربة دواء غامض يعدها بنسخة أصغر سنًا وأكثر كمالًا من نفسها.
لطالما تناولت السينما خوف النساء من الشيخوخة. فكرة أن تصبح المرأة غير مرئية مرعبة بما يكفي. في مجتمعنا تحديداً، يكاد يكون من النادر أن ترى شابة لم تخضع لإجراء تجميلي ما. بوتوكس، فيلر، سكلبترا، تكساس، والقائمة كل مالها وتطول. كل ذلك لإبطاء الزمن قدر المستطاع.
"الأمر يخصني أنا فقط"، سيقلن لك كثير من النساء. "أفعل ذلك لأشعر بتحسّن تجاه نفسي." أو "هذا ليس من أجل الرجال أو المجتمع، بل لأجلي!"
إلا أنه ليس كذلك.
المعايير التي فُرضت على النساء عبر عقود طويلة أصبحت مألوفة إلى حد أنها تبدو خياراً شخصياً. حين يُكافئ الشباب ويُعاقب التقدم في العمر باستمرار، تتحول الرغبة في الامتثال إلى قناعة داخلية. تكبر المرأة وهي ترى أن قيمتها مرتبطة بمظهرها، وأن شبابها رأس مالها الأساسي. ومع الوقت، لا يعود الامتثال يبدو كاستجابة لضغط خارجي، بل كقرار ذاتي.
وهنا تكمن المعضلة.
ومع ذلك، من يلومهن؟ بالنسبة لكثير من النساء، التقدم في العمر يبدو وكأنه فقدان تدريجي للمكانة الاجتماعية. القيمة الاجتماعية مرتبطة بالشباب، بالإنجاز السريع، بالحضور الملفت. فكيف لا تحاول المرأة التمسك بما يُطلب منها أن تتمسك به؟
لكن ماذا لو قررنا ألا نخضع لهذه المعايير؟ ماذا لو لم نحارب الزمن بكل هذه الشراسة؟ ماذا لو لم نحقن الدواء كما فعلت إليزابيث؟ ما الذي سنخسره فعلًا؟ بعض الأضواء؟ بعض الإعجاب؟ مساحات لم تكن ترى فينا سوى مظهرنا؟
في The Substance، البحث المحموم عن الشباب لا يمنح إليزابيث حرية، بل يضعها في مواجهة نسخة تنافسها وتستبدلها. الشباب يتحول إلى خصم. إلى معيار قاسٍ لا يمكن اللحاق به. الفيلم يبالغ في الصورة، لكنه يكشف منطقًا مألوفًا: حين يصبح الشباب عملة، يصبح العمر عبئاً.
الشيخوخة غير مريحة. ثقيلة على النفس. نحاول ألا نفكر فيها. مشاهدة Amour (2012) لمايكل هانيكه تجربة لا تقل قسوة. يروي الفيلم حكاية آن وجورج، زوجين متقاعدين يعيشان بهدوء في باريس. بعد إصابة آن بسكتة دماغية، يتولى جورج رعايتها. يبدأ الأمر بتدهور بسيط، ثم يتحول إلى اعتماد كامل. تفقد قدرتها على الحركة، ثم الكلام، ثم أبسط تفاصيل الاستقلال. يطعمها، يحممها، يساعدها في كل شيء.
الفيلم لا يخفف من وطأة المشهد. الرعاية اليومية مرهقة. الحزن يبدأ قبل الرحيل. الإحباط حاضر. رؤية جورج يشهد تراجع زوجته مؤلمة. لكنها تظل آن. شريكة حياته. الشخص الذي يعرفه ويعرفه.
هانيكه يضعنا أمام الجانب الذي نهرب منه حين نفكر في الشيخوخة: الاعتماد، الهشاشة، فقدان السيطرة. لكنه يكشف أيضًا جانبًا آخر: الحب حين يُختبر في أقصى درجاته. إذا كان The Substance يعكس هلع مقاومة العمر، فإن Amour يكشف عمق العلاقة حين يُقبَل هذا العمر كما هو.
أما Make Way for Tomorrow (1937)، فيقدّم صورة مختلفة تمامًا. بعد أن يفقد الزوجان المسنّان باركلي و لوسي منزلهما، يضطران للعيش كلٌّ على حدة لدى أبنائهما. لا يوجد شرير واضح. الأبناء ليسوا قساة بطبيعتهم، لكنهم غارقون في مسؤولياتهم. الحياة تغيّرت، والإيقاع لم يعد يناسب الوالدين.
الشيخوخة هنا ليست رعباً فجاًّ، بل شعور بعدم الانسجام. بأن العالم يمضي بسرعة مختلفة. بأنك لم تعد في مركز الأحداث.
باركلي يتحدث كثيرًا. لوسي تتحرك ببطء. حضورهما يربك النظام القائم. الألم في الفيلم هادئ، يومي، بلا صراخ. ومع ذلك، ما الذي أراداه؟ أن يكونا معًا.
حين نبلغ العمر الذي كنا نخشاه، تتغير أولوياتنا. الإنجازات التي بدت مصيرية في العشرينات تفقد حدتها. الطموحات تتقلص، أو ربما تتصفى. باركلي أراد لوسي. جورج أراد آن. ليس أكثر.
المجتمع يمجّد الشباب. ولكن البشر، في نهاية الطريق، يريدون القرب.
أليست هذه طمأنينة؟ أن تصل إلى مرحلة يصبح فيها وجود من تحب حولك أهم من أي شيء آخر. المرض، التجاعيد، الشيب، التغيرات الجسدية، كلها تتراجع إلى الخلفية. ما يبقى هو من يجلس بجوارك. من يعرف قصتك كاملة.
ما أعظم أن تكبر! أن تمر بكل ما مررت به وتظل هنا! عزيزي القارئ، لقد مررت بكثير من الخيبات، والخسارات، والألم… ومع ذلك بقيت. بقيت لترى أثر الزمن عليك. فهل هناك نعمة أعظم من ذلك؟
هناك من لم تتح لهم فرصة أن يشيبوا. لم يبلغوا الثلاثين أصلًا. الشيخوخة امتياز صامت. دليل على أنك استمررت.
قد لا يختفي الخوف تمامًا. لكنه يفقد حدته. وحين يهدأ، يتبقى شيء بسيط جدًا:
شخص تحبه. ووقت إضافي تقضيه معه.














Very well written. It reminded me of the movie OLD.