عن الحيرة، والسينما، وما بينهما
في رحلة البحث عن الذات، قد نجد أنفسنا فجأة على حافة منحنى وجودي حاد، لا نملك خريطة لمعالمه. هنا، حيث تتلاشى المعالم المألوفة، تُكتب الكلمات من قلب التجربة لا من برج المشاهدة. قد يبدو هذا المقال مختلفًا عما اعتدتم عليه في هذه النشرة. فهو لا يبدأ بتحليل مشهد، ولا ينتهي بتأويل جمالي، بل ينطلق من مرحلة أكثر غموض، شخصية، حساسية: تلك المرحلة التي يطلق عليها علماء النفس باسم "أزمة ربع العمر" "Quarter-life crisis".
في السنوات الأخيرة أدركت أنني لا أعيش حياة واضحة المسار، رغم أني أعمل بوظيفة ممتازة، وتخرجت من أفضل الجامعات في على مستوى المملكة، وأملك ما يمكن وصفه بوضع شبه مثالي من منظور موضوعي، لكني أشعر بأنه لا يشبعني شخصياً. أنا في ربع العمر تقريبًا، محصنة بين أطياف متناقضة: من جهة أشعر بأنني حققت أهداف عظيمة، ومن جهة أخرى أشعر بأنني لا أعرف ما الذي أريده فعلاً. هذه المساحة التي يمر بها كثيرون في منتصف العشرينات، أقل من أزمة منتصف العمر بكثير، لكنها أكثر خصوصية من مجرد "ضياع شباب". إنها لحظة تحول مصيرية تتساءل فيها: إلى أين؟ وماذا بعد؟
ولكني أبشرك عزيزي القارئ: أنت لست وحدك. ربما أنا أنت، وربما أنت أنا. هذا المقال هو محاولة لأشرح، لنفسي قبل الآخرين، كيف تمثلت لي هذه المرحلة، وكيف عكستها وترجمتها عدسة السينما أيضًا.
ما هي أزمة ربع العمر؟
تصف مجلة Psychology Today هذه المرحلة بأنها:
"فترة من القلق الوجودي وعدم اليقين حول المسار المهني والعلاقات والهوية الذاتية، غالباً ما تصيب الأفراد في منتصف العشرينات حتى أوائل الثلاثينات، حين تبدأ الحياة الحقيقية بالاصطدام مع التوقعات".
إنها باختصار لحظة الصدمة بين ما حلمنا به، وما أصبحنا عليه. لكن ما يجعل هذه الأزمة أكثر تعقيدًا هو العوامل التي تتضافر لتغذيها:
١. الضغط الاجتماعي: حيث تتحول العشرينات من مرحلة طبيعية إلى سباق محموم ضد وقت وهمي. فلم تعد هذه المرحلة مجرد انتقال بين الشباب والكهولة، بل أصبحت قائمة تحقق من "البِداء"، زواج، شراء منزل، إنجاب، استقرار مهني، تشعرك أن ساعة العد التنازلي بدأت، وأن أي تأخير يعني أنك "متأخر" عن الركب.
٢. التغيّر السريع: في عالم يتحول بسرعة مذهلة، تختفي وظائف وتظهر أخرى، وتصبح المهارات التي اكتسبناها بالأمس عديمة الجدوى. ما بدا منهجًا واضحًا في أوائل العشرينات قد يصبح غير ذي جدوى في أواخرها.
٣. المقارنة المدمّرة: عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تتحول إلى واجهة مستمرة لنجاحات الآخرين. فتشاهد صديقًا تزوج، وصديقة حققت إنجازًا مهنيًا، وزميلًا بدأ مشروعه الخاص... وتسأل نفسك: "وأين أنا من كل هذا؟"
٤. التوقع مقابل الواقع: حيث قد تحقق كل ما طُلب منك: التخرج، الوظيفة، الاستقرار… لكن يظل السؤال الأهم: وماذا أريد أنا حقًا؟ ومن هنا يبدأ التساؤل الحقيقي عن المعنى والهدف.
٥. الخوف من الاختيار: في سن حيث كل شيء لا يزال ممكنًا. هذا التنوع الجميل يصبح مصدر حيرة: أبدأ مهنة أم أغيّر مساري؟ أستثمر أم أدخر؟ هذه القرارات المصيرية تثير خوفًا عميقًا من "الخطأ" أو من أن نجد أنفسنا في غير مكاننا.
هذه العوامل تجعل من أزمة ربع العمر تجربة أكثر قسوة، لأنها تأتي في بداية الطريق، حين يفترض بنا أن نكون في أوج الحماسة. لكن الواقع مختلف: تجد نفسك محاطًا بأصدقاء يتزوجون، وآخرين يستثمرون، وغيرهم ما زالوا يبحثون عن أنفسهم. كلٌّ يسير في اتجاهٍ مختلف، بينما أنت عالقٌ في المنتصف، لا تدري إن كنت متأخرًا أم متقدّمًا. إنها الدهشة المُرّة لندرك أن النضج ليس وضوحًا بل ارتباكٌ طويل المدى.
انعكاس الأزمة على الشاشة
لطالما كانت السينما مرآة للارتباك الإنساني. هناك أفلام تناولت أزمة منتصف العمر، مثل American Beauty (١٩٩٩) وEverything Everywhere All at Once (٢٠٢٢) وLost in Translation (٢٠٠٣) وSoul (٢٠٢٠)، حيث يبحث الأبطال عن معنى الحياة بعد مرور نصفها.
لكنّ السينما لم تغفل أيضًا عن الأزمة الأصغر سنًّا والأكثر ضجيجًا: أزمة ربع العمر.
في Taxi Driver (١٩٧٦)، يعيش "ترافيس" عزلة خانقة في مدينة لا ترحمه، فيتحول بحثه عن الهدف إلى هوسٍ بالعنف والتطهير. إنه شاب في العشرينات، لكنه يشعر وكأنه شيخ عجوز من الداخل. الفلم يقدّم نموذجًا لروح ضائعة لا تعرف أين تضع نفسها في العالم.
أما في Her (٢٠١٣)، تأخذ العزلة شكلًا رقميًّا. سبق وفصلت هذا الفلم في مقالي السابق بعنوان "الوحدة كشخصية حية تتنفس في أفلام سبايك جونز"، البطل "ثيودور" يعيش قصة حب مع نظام ذكي في محاولة يائسة لتعبئة الفراغ العاطفي. لم يعد يبحث عن شريك بقدر ما يبحث عن معنى لوجوده. وهو ما يعبّر عن جيل كامل، يرى التواصل أكثر سهولة من أي وقت مضى، ومع ذلك يعيش في وحدة أعمق من أي جيل سابق.
ثم يأتي Inside Llewyn Davis (٢٠١٣)، حيث الفنان العاطل يجوب نيويورك حاملًا غيتاره وحيرته. الفيلم لا يقدم ذروة ولا نهاية سعيدة، بل يدور في حلقة مغلقة، تمامًا كما يدور الإنسان في أزمة ربع العمر حول ذاته، عاجزًا عن كسر الدوامة.
حين نشاهد أفلام أزمة منتصف العمر، مثل American Beauty أو Soul، نرى الشخصيات وقد وصلت إلى مرحلة المراجعة، تحاول أن تبرّر الماضي وتستعيد معنى ضائع. أما في أزمة ربع العمر، فالمعضلة ليست في الماضي، بل في المستقبل. الخوف لا يأتي مما حدث، بل مما قد لا يحدث.
السينما هنا لا تصف فقط، بل تُشركنا في التجربة. تجعلنا نعيش الارتباك ذاته، بين طموح لا حدود له وواقع لا يرحم.
لماذا نشعر جميعاً بالضياع؟
كما ذكرت أعلاه، قد يكون السبب، كما يقول علماء النفس، هو الفجوة بين الذات المتخيَّلة والذات الواقعية. نحن نرسم في أذهاننا صورة مثالية لما يجب أن نكون عليه، ثم نحاسب أنفسنا على فشلنا في الوصول إليها. وفي زمن تُعرض فيه حياة الجميع على الشاشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من الصعب ألا نقارن أنفسنا بالآخرين. كل شيء يبدو ممكنًا، وبالتالي، يصبح عدم الإنجاز نوعًا من الذنب.
لكن الحقيقة أن المقارنة عبثية، لأننا لا نعيش الخط الزمني نفسه. لكلٍّ منا إيقاعه، وزمنه الداخلي المختلف.
عن الرِّضا
حين فكرت طويلًا في ما أطمح إليه من هذه الحياة، أدركت أنني لا أبحث عن نجاح أو ثراء أو شهرة أو الحب، بقدر ما أبحث عن الرضا. هذه الكلمة البسيطة التي تبدو هادئة، لكنها في جوهرها حالة من السلام الداخلي العميق.
قال الله تعالى:
{{ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً }} (سورة الفجر: ٢٧–٢٨)
الرضا هنا ليس استسلامًا، بل قَبولٌ متزنٌ بأن الحياة ليست سباقًا، وأن السعادة لا تُقاس بكمّ ما نملك، بل بقدرتنا على التوقف عن اللهاث. وفي لحظة كهذه، حين نصمت ونفكر، ندرك أن كل ما نريده في النهاية هو سلام بيننا وبين أنفسنا.
الرضا لا يُشترى ولا يُكتسب بقرار، بل يُبنى بالتدريج، كلما تصالحنا مع ما بين أيدينا، وتوقّفنا عن النظر إلى ما عند الآخرين.
السينما كعلاج للارتباك
ربما لهذا أحب السينما. لأنها لا تقدم أجوبة، بل تتيح لنا أن نرى ارتباكنا في غيرنا، فنطمئن أننا لسنا وحدنا.
حين نشاهد Llewyn Davis يعيد الغناء للأغنية نفسها مرارًا، أو ثيودور في Her يكتب رسائل حب لغيره لأنه لا يستطيع كتابتها لنفسه، نكتشف أننا جميعًا نعيش النسخة ذاتها من الحيرة، فقط بتفاصيل مختلفة.
ولعل ما نتعلمه من هذه الأفلام هو أن التيه ليس فشلًا، بل مرحلة من الفهم. مرحلة قد تطول، لكنها ضرورية لنضوجنا.
في النهاية، ليست أزمة ربع العمر مجرّد اضطراب مؤقت، بل تمرين طويل على فهم الذات. وإن كان عليّ أن أختصر كل ما تعلّمته في جملة، فسأقول:
لن أصل إلى الرضا حين تتحقّق أهدافي، بل حين أكف عن جعلها مقياسًا لذاتي.
السينما، في جوهرها، ليست فقط عن الحكايات التي تُروى، بل عن الأرواح التي تتلمّس طريقها في الظلام. وربما... كلنا نحاول أن نفعل الشيء نفسه.






