الحرب كخدعة سينمائية
كيف يتحول المجتاح إلى ضحية على شاشة هوليوود
يصعب إنكار أن أفلام الحرب تمنح المشاهد دفعة من الأدرينالين. مشهد المعارك والانفجارات والصراخ والموسيقى الصاخبة… كل هذه العناصر تثير الدماغ، فيفرز مواد كيميائية تمنح إحساساً قريباً من النشوة. هذا بالضبط ما يجعل بعض الناس يدمنون على مشاهدة هذا النوع من الأفلام. والمفارقة أن هذه الاستجابة الكيميائية هي استجابة إيجابية، بينما الحرب نفسها يفترض أن تكون تجربة سلبية، قاسية، محطمة للإنسان.
الفلم الحربي إذن يبدأ من تناقض داخلي: كيف يمكن أن تُحوَّل المأساة إلى تسلية؟ كيف تصبح الحرب التي يفترض أن تثير الاشمئزاز مصدر متعة جماهيرية؟ وهذا التناقض هو القلب من الإشكالية التي تحكم نوعين رئيسيين من أفلام الحرب: "أفلام الحرب المؤيدة للحرب" (Pro-War Films)، التي تمجد الصراع وتصوره كمغامرة بطولية، و"أفلام الحرب المعادية للحرب" (Anti-War Films)، التي تهدف إلى كشف فظائع الصراع وعبثيته.
وهنا بالضبط تبدأ مشكلة هوليوود مع تصوير الحرب، حيث ينهار هذا التصنيف غالباً: فكثير من الأفلام التي تزعم معاداة الحرب تقدمها كعرض مثير، محولة المأساة إلى متعة والمجتاح إلى بطل.
هوليوود وصناعة البطل العسكري
في السينما الأمريكية، تصور الحرب غالباً كعرض بطولي. الجندي يتحول إلى بطل يثير الإعجاب، حتى وهو يشارك في غزو أو إبادة. فلم "Full Metal Jacket" للمخرج الأسطوري ستانلي كوبريك مثال بارز: الفلم مليء بشخصيات تبدو رهيبة، رغم أنها في الحقيقة جزء من آلة قتل. والأمر نفسه يظهر في فلم "Inglourious Basterds" للمخرج كوينتين تارانتينو، حيث تتحول الحرب إلى لعبة انتقام ممتعة.
قال المخرج الشهير ستيفن سبيلبرغ إن "كل فلم حرب يعتبر معادياً للحرب". لكني أرى العكس. معظم أفلام الحرب، خصوصاً في هوليوود، ليست ضد الحرب إطلاقاً. هي تنتهي غالباً بإضفاء الشرعية على الحرب، أو على الأقل بإعطاء تعاطف هائل للجندي المجتاح. حتى عندما تُظهِر قسوته، تُسارع إلى تقديمه كضحية: جندي عاد من العراق أو أفغانستان وهو محطم نفسياً، يعاني من الاضطراب ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Stress Disorder – PTSD)، حيث أثبتت الأبحاث الأمريكية أن أكثر من ٣٠٪ من الجنود الأمريكيين يعانون منه، لأنه اضطر أن يطلق النار على نساء وأطفال. كأن المأساة الكبرى ليست موت المدنيين، بل ألم الجندي الذي قتلهم.
وهذا بالضبط ما فعله فلم "American Sniper" من إخراج كلينت إيستوود، الذي يُعدّ مثالاً فجّاً على البروباغندا الحربية. يسرد هذا الفلم المهين قصة قناصاً خدم في العراق وكأنه بطل تراجيدي، بينما الواقع أن مهمته كانت قتل مئات العراقيين. يصوّر عودته إلى أسرته وهو محطم نفسياً، كأننا مطالبون أن نرثي "معاناته الداخلية"، ونتغاضى عن آلاف الأرواح التي أزهقها. إنه فلم يختزل مأساة الاحتلال في أزمة جندي واحد، ويتجاهل الاحتلال نفسه، ويمحي العراقيين من القصة إلا كأهداف تُصطاد.
هذه هي دموع التماسيح ذاتها التي يتقنها الجيش الإسرائيلي خصيصاً في دعايته: تحويل المعتدي إلى ضحية، ودفن الضحايا الحقيقيين تحت الركام. فالأمريكيون غزوا العراق ودمروا مدناً كاملة، ثم بعد عقد من الزمن، أنتجوا أفلاماً عن "المعاناة النفسية" لجندي واجه لحظة صعبة وهو يضغط على الزناد. وكأن المأساة ليست دمار أمة، بل الصدمة النفسية لمن دمّرها! فأي عقل سوي يمكن أن يقتنع بهذه المهزلة؟!
الضحية الغائبة: المدنيون
من وجهة نظري، لكي يكون الفلم حقاً معادي للحرب، يجب أن يضع المدني في قلب السرد. لأن من يدفع الثمن الأكبر ليس الجندي في المعركة، بل المدني الذي يجد نفسه بسببها بلا بيت، بلا عائلة، بلا مستقبل، بلا هوية. ومع ذلك، نادراً ما تصور السينما الأمريكية قصصهم.
أمثلة علي الأفلام المعادية للحرب
الفلم الهنغاري "Son of Saul" من إخراج لازلو نيميس يقدم نموذجاً مختلفاً تماماً عن أفلام الحرب الدارجة. القصة ليست عن دولة أو جيشها، بل عن سجين يبحث وسط أهوال المحرقة النازية عن وسيلة لدفن فتى ميت. هنا المأساة فردية، إنسانية، شخصية. لا شعارات ولا انتصارات. الفلم يذكرنا أن الحرب الحقيقية تدمر حياة الناس العاديين، ليس فقط الجنود.
"Come and See" للمخرج إيلم كليموف يذهب أبعد من ذلك. من خلال عينيّ مراهق بيلاروسي يدخل الحرب بحماسة وطنية، نشهد انكسار البراءة حتى التحوّل إلى قشرة فارغة. الفلم صادم لأنه لا يمنح المشاهد أي فسحة للراحة: قرى تُحرق، مجازر تُرتكب، مدنيون يُبادون، والطفل نفسه يتفتّت نفسياً أمام أعيننا. كليموف، الناجي من معركة ستالينغراد في الحرب العالمية الثانية، رفض أن يجمل شيئاً في هذا الفلم. وهذا ما يجعله بحق ضد الحرب. لأنه يعريها ويفضحها، ويجعلنا نخرج من صالة السينما محملين بالثقل لا بالحماس.
التاريخ المهووس بالمعارك
قد يبدو انجذابنا لأفلام الحرب مجرد مسألة تسلية بصرية: انفجارات، معارك، أدرينالين. لكن الحقيقة أعمق بكثير. نحن كبشر ننجذب إلى الحرب لأنها تمثل لحظات قصوى: لحظات يواجه فيها الفرد الموت وجهاً لوجه، لحظات يتكثف فيها الخير والشر، الشجاعة والخوف، التضحية والخيانة. الحرب تختصر التجربة الإنسانية في أكثر صورها حدّة، ولهذا تغري السينما بالعودة إليها مراراً.
لكن هذا الانجذاب لا يتوقف عند السينما فقط. حين نفتح كتب التاريخ أو نستمع لمحاضرات "هواة التاريخ"، نلاحظ أن معظم ما يُروى ويدوَّن يتمحور حول المعارك والغزوات والحروب. قلّما نجد شغفاً مماثلاً بتاريخ الفن، الحب، أو الاكتشافات العلمية. وكأن ذاكرة البشرية لا تُحفظ إلا عبر الدماء.
الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال تحولت إلى أعظم ملحمة حديثة. لا يكاد يمر عام دون أن ينتج فلم جديد عنها: Saving Private Ryan، Dunkirk، Fury، Oppenheimer، وغيرها بلا نهاية. حتى بعد مرور ثمانية عقود، ما زالت هذه الحرب تسيطر على المخيلة العالمية. لماذا؟ لأنها جمعت كل عناصر "الدراما الكبرى": ديكتاتوريات مرعبة، مجازر جماعية، معارك فاصلة، وقصة انتصار "الخير" على "الشر" وفق السردية الغربية.
وهذا ما يفسر التشابك بين السينما والتاريخ: كلاهما يعيدان تدوير نفس اللحظة الدموية، لأن البشر أنفسهم ينجذبون إليها. نحب العنف في الأفلام، كما نحب قرائته في الكتب، لأنه يمنحنا وهم الفهم: كأننا عبر العنف نفهم "من نحن" و"كيف وصلنا إلى هنا". لكن المشكلة أن هذا الهوس يجعلنا نختصر الإنسان في صورة جندي يحمل سلاحاً، بينما نتجاهل ملايين القصص الأخرى التي لا علاقة لها بفسك الدماء.
بالنسبة لنا كعرب، فالتناقض أكثر إيلاماً. منطقتنا مثخنة بالحروب: من العراق، وفلسطين، ولبنان، وسوريا، واليمن. ومع ذلك، نستهلك الأفلام الأمريكية عن الحرب بنفس الحماس الذي يستهلكه الأمريكي نفسه. نضحك ونتأثر مع قصص الجنود الأمريكيين، بينما نتجاهل أن هؤلاء الجنود دمروا مدناً تشبه مدننا.
مما يجعلني أفكر… أليس في هذا نفاق ثقافي؟ كيف نتعاطف مع المجتاح بينما الضحية، التي غالباً تشبهنا وتشبه أهلنا، تُمحى من الشاشة؟ كيف نقبل أن نُروى قصتنا من منظور من دمرنا؟
خاتمة: السينما كأداة سياسية
أفلام الحرب ليست مجرد فن، بل أداة سياسية. وإذا كان ثمة "أفلام معادية الحرب"، فهي تلك التي تضع الضحية في المقدمة: المدنيون، الأطفال، البيوت المهدمة، الأرواح المحطمة. أما الأفلام التي تمنحنا أدرينالين، فتثير حماسنا بالمعارك، أو تجعلنا نتعاطف مع الجنود الغازين، فهي في أحسن الأحوال دعاية مُقنّعة.
وليس هناك من مثال على هذه الخدعة السينمائية أكثر وقعاً من واقعنا اليوم. فبينما نناقش نظريات السينما، تُرتكب واحدة من أكبر المآسي الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني على بعد أميال قليلة منا. هذه ليست مشاهد من فلم يمكننا إغلاقه عند انتهاء العرض، إنها حرب حقيقية تُدمّر حياة أناس حقيقيين، مثلي ومثلك عزيزي القارئ. هنا، يصبح واجبنا كمشاهدين عرب أكثر إلحاحاً من مجرد وعي الخداع، فهو واجب إنساني يفرض علينا رؤية الضحايا الحقيقيين الذين تُمحى صورهم عالمياً.
الحرب ليست مادة ترفيهية. وأي سينما تحاول إقناعنا بالعكس فهي تشارك في عملية خداع جماعي. ومن واجبنا أن نرفض هذه الصورة المزيفة، وألا نسمح بأن تتحول مآسينا إلى عروض أكشن ممتعة.





