هل ماتت السينما؟
في الخامس من ديسمبر عام ٢٠٢٥، ومع تصاعد موجة الاندماجات في قطاع الترفيه، برز خبر يلوح في الأفق بمثابة زلزال كارثي: تقارير موثوقة تؤكد تقدم Netflix بشكل جادّ نحو الاستحواذ على Warner Bros، بعد فوزها بالمزايدة وبدء مفاوضات نهائية. هذا ليس مجرد سيناريو تخييلي أو تحليل صناعي عابر، بل هو مسار واقعي يقترب من التحقق، مما يدفعنا إلى طرح سؤال مصيري: ماذا لو ابتلعت منصة بث واحدة من أعرق استوديوهات السينما في العالم؟
تشير التقديرات إلى أن صفقة من هذا النوع، إن حصلت، ستتجاوز قيمتها ما بين ٧٠ إلى ٩٠ مليار دولار، ما يجعلها واحدة من أضخم عمليات الاستحواذ في تاريخ الإعلام، ومحل تدقيق قانوني وتنظيمي غير مسبوق.
ردود الفعل على هذا الاحتمال كانت متباينة، إلا أن الغالبية بين صناع الأفلام والنقاد ومحبي السينما جاءت سلبية بشدة. أنا شخصيًا، أعتبر هذا السيناريو من أسوأ الأخبار التي طُرحت على السينما في السنوات الأخيرة، ربما لا يضاهيه إلا خبر اعتزال ممثلي المفضل دانيال دي لويس. فهل عنوان هذا المقال مبالغ فيه؟
لا.
دعونا نفكك الأسباب التي تجعل استحواذ نيتفليكس الوشيك على Warner Bros تهديدًا حقيقيًا وجوهريًا للسينما، ولماذا ينبغي أن يثير هذا التحول الكبير القلق لدى الجميع.
عندما تتحول السينما إلى محتوى حصري
Warner Bros ليست مجرد شركة إنتاج كبرى، بل هي أحد الأعمدة التي بُنيت عليها السينما الحديثة. لا تحتاج لأن تكون متعمقًا في السينما كي تعرف شعارها، يكفي أن تكون مشاهدًا عاديًا. Harry Potter، Batman، Superman، The Hobbit، وأعمال تُعد من علامات السينما الحديثة مثل Inception وDune. جميعها تحمل توقيع Warner Bros.
فما الذي يعنيه فعليًا أن تصبح هذه الأعمال تحت ملكية Netflix؟
تُعد نيتفليكس من الجهات الإنتاجية القليلة التي لا تقوم بترخيص المحتوى الذي تمتلكه. الترخيص هو ما يسمح للأفلام بالانتقال بين دور العرض، والتلفزيون، والوسائط الفيزيائية، والمنصات المختلفة. خذ مسلسل Friends، من إنتاج Warner Bros Television، مثالًا واضحًا. إمكانية مشاهدته عبر منصات متعددة لسنوات طويلة كانت نتيجة سياسة الترخيص، التي حققت أرباحًا مستمرة للاستوديو وأبقت العمل متاحًا لجمهور واسع.
ولكن نيتفليكس ترفض هذا النموذج بالكامل.
في حال استحوذت نيتفليكس على Warner Bros، فإن النتيجة الأولى ستكون سحب أفلام Warner من التداول العام، وتحويلها إلى محتوى حصري داخل منصة واحدة. قد يبدو هذا للبعض أمرًا بسيطًا: اشتراك واحد يكفي. لكن هذا تصور ساذج.
من المستحيل عمليًا، وغير المنطقي استراتيجيًا، أن تستضيف نيتفليكس كامل أرشيف Warner Bros. نحن نتحدث عن أحد أضخم الأرشيفات السينمائية في التاريخ، يُقدّر بأنه يمثل أكثر من ٢٧٪ من إنتاج الاستوديوهات الكبرى في هوليوود عبر قرن كامل. والأهم من ذلك أن نيتفليكس لا ترغب في ذلك أصلًا.
منصة نيتفليكس تعمل بمنطق اللحظة. ما هو رائج يُدفع إلى الواجهة، وما هو غير رائج يختفي. الامتيازات الضخمة ستبقى، لكن ماذا عن أفلام السبعينيات السياسية؟ عن ذلك الفيلم من الثمانينيات الذي غيّر نظرتك للسينما، حتى لو لم يكن معروفًا على نطاق واسع؟
هذه الأعمال لا تتماشى مع الخوارزميات، وبالتالي لن تُعرض. وبما أن نيتفليكس لا ترخص ما تملكه، فلن تكون متاحة في أي مكان آخر أيضًا.
هنا تكمن الكارثة الحقيقية: السينما لا تموت بالمنع أو الرقابة، بل تموت حين تصبح غير متاحة. وعندما لا تعود الأفلام متداولة، لا يمكن اكتشافها، وحين لا تُكتشف، تُمحى ثقافيًا.
نيتفليكس لا تهتم بالأفلام.
هي تهتم بما يبيع الآن.
عصر البث ووهم ”تقادم“ صالات السينما
عصر البث لم يعد قادمًا، بل فرض نفسه. خلال فترات الحجر الصحي بين عامي ٢٠٢٠ و ٢٠٢١، بينما كانت قطاعات كاملة تعاني، حققت منصات البث نموًا غير مسبوق. كانوا الناس محاصرين في منازلهم، والسينما المنزلية أصبحت خيارًا قسريًا. لكن المقلق أن هذا السلوك لم يتراجع بعد عودة الحياة إلى طبيعتها.
تعمل نيتفليكس بوضوح على ترسيخ فكرة أن مشاهدة الأفلام في المنزل أفضل من مشاهدتها في دور العرض. فقد قال الرئيس التنفيذي Ted Sarandos إن ”حلم صناعة أفلام تُعرض على شاشات عملاقة أصبح مفهومًا متقادمًا.“
هذا الادعاء ليس خاطئًا فحسب، بل ينطوي على استخفاف واضح بالسينما.
صحيح أن مساحات اجتماعية كثيرة تراجعت في العصر الرقمي مثل المكتبات والساحات العامة والحدائق، لكن صالات السينما ليست من بينها. كل فيلم مرتقب يثبت العكس. القاعات ممتلئة، وعروض IMAX تنفد تذاكرها. أحدث مثال على ذلك الإقبال الكثيف على فيلم One Battle After Another للمخرج العظيم Paul Thomas Anderson.
صالات السينما ليست بقايا زمن مضى. إنها من آخر المساحات الثقافية الجماعية التي ما زالت صامدة. تفرض التركيز، وتلغي التشتت، وتحول المشاهدة إلى حدث. ولهذا السبب يتمسك بها الجمهور.
السينما تزدهر لأن الناس بحاجة إلى هذه التجربة.
الأفلام والموسيقى ترافقنا في كل مراحل حياتنا. أفلام ديزني في الطفولة، صوت فيروز في المطبخ، أغاني راشد الماجد في السيارة، والدهشة البصرية الأولى أمام أعمال ستانلي كوبريك. هذه ليست تفاصيل عابرة، بل مكونات للذاكرة والهوية.
الأفلام تشكل وعينا، وتوسع قدرتنا على التعاطف، وتعيد تعريف العالم من حولنا. التعامل معها كمحتوى استهلاكي مؤقت هو إساءة لفهم قيمتها الإنسانية.
فدعونا نسأل الأستاذ الفاضل ”تيد“:
هل مشاهدة Dune أو Lawrence of Arabia على شاشة تلفاز، أو هاتف، أفضل من مشاهدتهما على شاشة IMAX في قاعة سينما؟
الإجابة واضحة.
البث لم يغيّر فقط مكان المشاهدة، بل أفسد طريقة صناعة الأفلام.
إنتاجات نيتفليكس الأولى مثل House of Cards وSense8 وThe OA والمواسم الأولى من Stranger Things كانت طموحة وجمالية، وتطلبت - بل واستحقت - الانتباه الكامل. ثم ظهر تحول ثقافي وتصميمي مع ما يُعرف بـ”عروض الخلفية” (Background TV)، وهي فئة جديدة من المحتوى تُصنّع خصيصًا لملء الصمت والصحبة، وليس للتركيز. إنها الأعمال التي تختارها أثناء الطهي أو التنظيف أو تصفح هاتفك، حيث يكون الحوار المستمر والموسيقى الواضحة هما العنصران الأساسيان، بينما تصبح الصورة البصرية ثانوية. المنطق الإنتاجي هنا معكوس: لم يعد الهدف إبهارك أو خطف انتباهك بصريًا، بل منحك شعورًا بالاتصال والحركة في الغرفة دون مطالبتك بالجلوس والتفرغ.
نتيجة ذلك المباشرة هي أن الأعمال الحديثة تبدأ في التكيّف مع هذا الدور الوظيفي. فهي تفرط في الشرح اللفظي لكل حدث وعاطفة، لأنها تفترض أنك قد تنظر بعيدًا في أي لحظة. وتعتمد على الحوار لسرد القصة بدلاً من الصورة المرئية المعبّرة. وتلجأ إلى موسيقى تصويرية مبالغ فيها وإشارات صوتية واضحة لتعويض غياب التركيز البصري وتوجيه المشاهد الذي ينصت فقط. الشخصيات تشرح كل شيء، لأن المنصة لا تتعامل معك كمشاهد منغمس، بل كمستمع مشتت.
إذا استحوذت نيتفليكس على Warner Bros، فلن تبقى هذه الفلسفة الإنتاجية محصورة داخل منصة واحدة أو كخيار بين خيارات، بل ستتحول إلى معيار عام، تطبّق حتى على الأعمال السينمائية الكبرى والأساطير السينمائية التي طالما صُنعت لتُشاهد في الظلام، على شاشة عملاقة، وبكل الحواس.
عندما انقلبت الصناعة على نفسها
في مقال سابق لي بعنوان "النوستالجيا المعلبة"، أشرت إلى حديث الممثل مات ديمون عن الزمن الذي كانت فيه الأفلام تملك حياة ثانية. لم يكن مطلوبًا من الفيلم أن يحقق نجاحًا فوريًا في صالات السينما كي يُعد ناجحًا. أشرطة VHS وأقراص DVD كانت تمنح الأعمال فرصة للنمو والتراكم، حتى بعد انتهاء عرضها في صالات السينما.
البث أنهى هذا النموذج تمامًا.
اليوم، إن لم يحقق الفيلم نجاحًا مباشرًا، يُحكم عليه بالفشل. النوافذ السينمائية تقلصت إلى حدٍ مهين، أحيانًا أسبوعين فقط، قبل أن يُطرح العمل على المنصات. هذا يدرب الجمهور على الانتظار، ويجرّد الأفلام من قيمتها الرمزية.
النتيجة أن الاستوديوهات تصاب بالذعر.
ونتيجة عن ذلك، يتم اللجوء إلى نجوم هوليوود الساطعين باستمرار. حتى الأفلام المستقلة باتت تعتمد على ممثلين من الصف الأول لضمان التمويل والتوزيع. متى كانت آخر مرة شاهدنا فيها فيلمًا ناجحًا جماهيريًا دون أسماء معروفة؟
السينما كانت تكافئ النص الجيد والرؤية الجريئة. اليوم تكافئ الأسماء والخوارزميات. إن لم تكن معروفًا، فأنت غير مرئي.
وهذا ليس مدمّرًا للمخرجين الشباب فحسب، بل للسينما ذاتها.
الأفلام فقدت مكانتها
منصات البث سطّحت السينما.
فيلم حاصل على جوائز الأوسكار يقف على الواجهة ذاتها مع برنامج رسومات متحركة للأطفال. السياق يختفي، والهيبة تختفي، والاحترام يتلاشى. لم تعد الأفلام أحداثًا، بل عناصر في مكتبة رقمية.
لهذا نشعر بندرة التحف السينمائية اليوم، ليس لغياب الموهبة، بل لأن الأفلام لم تعد تُمنح فرصة أن تكون مهمة.
ولهذا أيضًا تبدو الجوائز السينمائية مثل جوائز الأوسكار فارغة المعنى. حين يُستهلك كل شيء بالسرعة ذاتها، تصبح العظمة بلا وزن.
خاتمة
القضية ليست صفقة استحواذ عادية، بل لحظة قد تعيد تشكيل الوعي البصري والثقافي. الخطر ليس في اختفاء السينما، بل في اختزالها إلى "محتوى" تحكمه الخوارزميات، حيث تُفضَّل الكفاءة والتكرار الآمن على الجرأة والمغامرة الفنية. هذا التحول يحدث تدريجيًا عبر إضعاف لغة الصورة، تذويب الفروق بين السينما والمسلسلات، وتقييد القصص بما يناسب بيانات المشاهدة. السينما لا تموت بإغلاق دور العرض، بل عندما تُختزل إلى متغير في معادلة اشتراك، وتفقد دورها كمساحة إنسانية توسّع رؤيتنا للعالم، لتبقى شاشة قائمة بلا روح.






Wow!!👏🏻
أول مقال قرأته لك كانت عن تلفاز 11، واللي شدني له هو حبي للي كانت تقدمه القناة على اليوتيوب، إضافة إلى اهتمامي المتواضع بالأفلام والسينما. كنت -وما زلت- متعطشة للمحتوى المرتبط بالسينما، فكان المقال قريب مني جدًا.
حسابك هو حسابي المفضل في هذا التطبيق. صحيح إني ما قرأت جميع مقالاتك بعد — وأنوي فعلًا — لكن كل مقال قرأته أنهيه بشعور جميل من الارتواء.
مبدعة