عن الجنون
* تنويه: يتناول هذا المقال مواضيع حساسة تتعلق بالاضطرابات النفسية والعنف والاعتداء، وقد يكون غير مناسب لبعض القرّاء.
حين نسمع كلمة "مجنون"، عادة ما يتجه خيالنا إلى أحد تصورين متطرفين.
الأول هو المجنون المنفلت: شخص مقيد داخل مصحة نفسية، عاجزًا عن التحكم بسلوكه، مدفوعًا بالعنف دون منطق أو تاريخ. شخصية بلا خلفية، بلا سياق، بلا سبب. فوضى خالصة.
التصور الثاني هو العقل الإجرامي المنظم: ذكي، محسوب، شديد القسوة، أفعاله مدروسة إلى حد يثير الرعب. شخصيات مثل هانيبال ليكتر تنتمي إلى هذا النموذج. لا يُعرَفون فورًا كمجانين، لكن ثمة خللًا خفيًا يسبقهم. وحين تنكشف أفعالهم، يعاد تفسير كل ما سبقها بأثر رجعي، كما لو أن الصورة لم تكتمل إلا متأخرًا.
شخصية "نورمان بايتس" في الفلم الشهير "Psycho" مثال واضح لهذه الظاهرة. طوال الفيلم يبدو شخصًا عاديًا، خجولًا، غير مؤذي. لكن لحظة انكشاف الحقيقة بأنه يتقمص شخصية أمه المتوفاة فتعاد قراءة كل تصرفاته السابقة، ويصبح الجنون مفهومًا ضمن منطق داخلي مكتمل.
هذان النموذجان مختلفان في الشكل، لكن يجمعهما أمر واحد: الجمهور يعشقهما. الأشرار يخسرون الصراع في الفلم، لكنهم يكسبون الذاكرة الجماعية.
لكن لماذا؟
لماذا ننجذب إلى "الخارجين عن النظام"؟
في مقال سابق لي بعنوان "الفنان المهووس: جنون العبقرية على الشاشة"، تناولت تاريخ ربط الألم والمعاناة بالإبداع الفني (أنصح بقراءة هذا المقال بشدة). هذا الربط يعود جزئيًا إلى القرن التاسع عشر، حين انتشر مرض الدرن (Tuberculosis) بين الفنانين بسبب ظروفهم المعيشية القاسية في المدن المكتظة. المرض، والهشاشة، والموهبة اندمجت في صورة واحدة لا تزال حاضرة حتى اليوم.
الآلية ذاتها تحكم انجذابنا إلى أشرار السينما.
حتى حين نرفض أفعالهم أخلاقيًا، نظل ننجذب إليهم. الشخصية الشريرة الشهيرة "أنتون تشيغور" من فلم "No Country for Old Men" مثال بارز لهذه الظاهرة. دراسات نفسية عديدة صنفته كأقرب تصوير سينمائي واقعي للشخصية السايكوباثية. حضوره يطغى على المشهد، وكل ما حوله يفقد أهميته.

هذا الانجذاب لا يتلاشى حتى حين يكون الموضوع حقيقيًا. مسلسل Monster: The Jeffrey Dahmer Story حوّل قاتلًا متسلسلًا آكلًا للبشر إلى منتج جماهيري. الإدانة الأخلاقية لم تمنع الهوس، والفضول استمر.
من منظور نفسي، يعود هذا الانجذاب إلى فكرة التعدي على القواعد. الدماغ البشري مهيأ للتركيز على التهديد والانحراف. شخصيات تخرق الأعراف تترك أثرًا أعمق في الذاكرة. هناك أيضًا عنصر إسقاط: الأشرار يفعلون ما لا يسمح معظم الناس لأنفسهم حتى بالتفكير فيه. المشاهدة تصبح اقترابًا آمنًا من المحظور.
الاضطرابات النفسية في الواقع
بعد فهم انجذابنا للجنون السينمائي، يجدر العودة إلى التصورين الأولين. كلاهما يُقدَّم عادة بوصفه شريرًا أو حالة ميؤوسًا منها. الواقع مختلف تمامًا.
الاضطرابات النفسية التي تُضخَّم سينمائيًا مثل السايكوباثية أو الانفصام أو الاكتئاب الحاد هي أكثر شيوعًا مما نعتقد. المصابون بها يعيشون بيننا، ويعملون، ويكونون عوائل، ويتحملون مسؤوليات.
واقع مواجهة الاضطرابات هذه يفتقر الدراما، ويستبدلها بعدم الارتياح.
السينما تميل إلى تجميل المرض النفسي، خاصة الاكتئاب. فنسنت فان غوخ يُستحضر كثيرًا بوصفه الفنان المعذّب الذي كان يأكل الطلاء الأصفر لغرض تعبئة ما داخله بالسعادة. ولكن الحقيقة أنه كان يدرك أن تناول الألوان مميت، وهذا ما كان يسعى إليه.
الاكتئاب الشديد ليس شاعريًا، ويتجلى في العجز عن النهوض من السرير والاستحمام، و الأكل والحديث، وعن أداء أبسط الواجبات اليومية. في الواقع لا يوجد شيء جمالي فيه.
المرض النفسي الحقيقي مزعج للمشاهدة، ويشعرك بعدم الراحة. تذكر عبارة "غير مريح"، سنتطرق لها لاحقاً. حين يجعلك فلم تشعر بعدم الارتياح بدل الانبهار، فغالبًا هو أقرب إلى الواقع.
قلة من الأفلام تفعل ذلك. ومن أبرزها:
*تنويه: يحتوي هذا المقال على حرق لأحداث الأفلام المذكورة أدناه
The Woodsman (2004)
أرى هذا الفلم من أكثر الأفلام إزعاجًا وصعوبة للمشاهدة.
يروي الفيلم قصة "والتر"، وهو رجل أُدين سابقًا بالبيدوفيليا (التحرش الجنسي بالأطفال)، أُفرج عنه حديثًا من السجن، وتسري أحداث القصة أثناء محاولته على إعادة الاندماج في المجتمع. أداء الممثل "كيفن بايكن" يتسم بالضبط الشديد والألم الداخلي؛ الذنب يثقله باستمرار، غير أن دوافعه المنحرفة لا تقل حضورًا عنه.
لا يسعى الفلم إلى تبرير أفعاله، ولا يطلب تعاطف المشاهد معها على الإطلاق. قوته الحقيقية تكمن في المراقبة الصامتة. يُقدَّم والتر بوصفه إنسانًا مصابًا باضطراب منحرف، دون تهويل أو تبسيط، ودون تحويله إلى رمز أو كاريكاتير.
أداء بايكن يرفض الاختزال. والتر يبدو حقيقيًا، وهذه الواقعية هي ما يجعله مقلقًا إلى هذا الحد. ورغم أن الأدوار المساندة والنص يتعاملان مع الموضوع بقدر كبير من التحفظ والرصانة، فإن الفلم في جوهره يتمحور حول أداء بايكن.
لا يوجد في هذا العمل ما يُقَدَّم من أجل الصدمة وحدها. لا استغلال، ولا ابتذال. مصدر الإزعاج وعدم الراحة هو القرب الشديد من هذه الشخصية المنحرفة. فمشاهدة والتر تُجبر المشاهد على مواجهة الدمار النفسي المرتبط بحالته، سواء قبل ارتكاب جرائمه أو بعدها.
وقد عبّر الناقد روجر إيبرت عن هذا التوتر بوضوح حين قال:
"السبب الذي يجعلنا غير قادرين على تقبّل الاعتداء الجنسي على الأطفال كما نتقبّل ممارسات جنسية أخرى، هو أنه يتطلب شريكًا بريئًا قد تتعرض حياته لضرر لا يمكن إصلاحه. لا يحق لنا فعل ذلك. وإن لم يكن هناك سبيل آخر لتحقيق الإشباع الجنسي، فهذه مصيبتنا، لكنها ليست مبررًا. ليس المتحرش بالأطفال هو الشر بحد ذاته، بل التحرش بالأطفال. وينطبق ذلك على جميع الخطايا والجرائم وعلى من تُغريهم: ليس كوننا قادرين على التعدي ما يديننا، بل استعدادنا لارتكابه."
(1999) Girl, Interrupted — "ديزي"
غالبًا ما يُستذكر Girl, Interrupted بوصفه فلم عن فتيات جميلات يعانين اضطرابات نفسية داخل مصحة، حيث تُقدَّم المعاناة في إطار جمالي مُخفَّف ومُنمَّق، ولكن قصة الشخصية "ديزي" تقف على النقيض من هذا التصور، وتعمل على تفكيكه من الداخل.
في المشاهد الأولى، تبدو ديزي كفتاة مدللة، تمتلك غرفة خاصة، ويحضر والدها لزيارتها باستمرار، مصطحبًا معه الطعام من مزرعته، في صورة توحي بالاهتمام والرعاية، قبل أن يبدأ شعور غامض بالقلق في التسلل تدريجيًا. هذا القلق لا يُصاغ صراحة، بل يظهر عبر تفاصيل صغيرة ومزعجة، أبرزها إخفاؤها بقايا الدجاج الذي يحضره والدها تحت سريرها، وهو ما يترك المجال مفتوحًا لتفسيرات سطحية، كالإيحاء باضطراب في الأكل أو سلوك قهري مرتبط بالخجل.
ولكن هذه القراءة تنهار تمامًا حين تتكشف الحقيقة.
ديزي كانت ضحية اعتداء جنسي طويل الأمد من والدها. الغرفة الخاصة لم تكن امتيازًا، بل وسيلة. والهدايا لم تكن تعبيرًا عن حب، بل جزءًا من منظومة الإساءة ذاتها. أما الدجاج، فيتحول من طعام عادي إلى رمز ثقيل الدلالة: يأتي من الجاني، يُستهلك في الخفاء، ثم يُخفى ويتحلل، تمامًا كما تُخفى الجريمة نفسها وتُترك لتتعفن في الداخل.
من أكثر تبعات الاعتداء الجنسي إيلامًا، ولا سيما حين يكون الجاني أحد الوالدين، استجابة الجسد اللاإرادية، وهي حقيقة نادرًا ما تُناقش بسبب ما تثيره من نفور واضطراب. الأدبيات العلمية واضحة في هذا الشأن:
"يمكن أن تحدث الاستثارة الجنسية الفسيولوجية، بما في ذلك الاستجابة التناسلية والنشوة، لدى الضحايا أثناء الاعتداءات الجنسية غير الرضائية، بغض النظر عن الرغبة أو القبول."
— مارييف فاندرفورت (وآخرون)، Archives of Sexual Behavior (2024)
ونتيجة عن ذلك، تخلّف هذه الاستجابة عبئًا نفسيًا بالغ القسوة، إذ يميل كثير من الضحايا إلى تفسير تفاعل أجسادهم بوصفه دليلًا على التواطؤ، وهو ما يضاعف الصدمة بدل أن يخففها. كما تشير الباحثة سارة أولمان:
"حين يختبر الضحايا استثارة أو نشوة أثناء الاعتداء، غالبًا ما يعانون من خزي شديد ولوم للذات وارتباك نفسي، ما يزيد من حدة الأعراض الصدمية ويعقّد التعافي."
ديزي تجسد هذا الصراع الداخلي بكامل ثقله. فهي تحب والدها لأنه والدها، وتفسر هداياه بوصفها اهتمامًا، لأن الأطفال لا يملكون أدوات أخرى لفهم خيانة كهذه. ومع الوقت، يصبح سلوكها غريبًا، قهريًا، وسريًا، وتغدو بقايا الدجاج المخفية تحت السرير أشبه باعتراف صامت: شيء استُهلك، ثم أُخفي، ثم تعفّن، وبات من المستحيل إخفاء أثره بالكامل.
وحين تخبرها "ليسا" أن الجميع يعلم بما يفعله والدها، وأن ما يثير الصدمة حقًا هو أن ديزي "أحبت ذلك"، لا تنهار بسبب الكلام ذاته، بل لأنه يلامس إدانة كانت قد وجهتها إلى نفسها منذ زمن. في تلك اللحظة، تتحول استجابة الجسد في وعيها إلى ذنب أخلاقي لا يُغتفر.
نهاية ديزي المؤسفة لا يأتي بوصفه مفاجأة درامية، بل نتيجة منطقية لانهيار نفسي تراكم عبر سنوات من سفاح القربى، وخيانة الجسد، والخزي المتجذر.
Angst (1983)
على مستوى عدم الراحة الخالص، يُعد Angst من أكثر التجارب السينمائية قسوة ونفورًا، لاعتماده الكامل على زجّ المشاهد في تماس مباشر مع عقل مختل، تماس لا يتيح أي مسافة نفسية أو حماية سردية يمكن الاحتماء بها أثناء المشاهدة.
يتتبع الفلم قاتلًا أُفرج عنه بعد عشر سنوات قضاها في السجن، وما إن يستعيد حريته حتى يتجه فورًا إلى ارتكاب جريمة جديدة، فيقتحم منزلًا معزولًا ويقتل ثلاثة أشخاص بوحشية، والسرد لا يتعامل مع هذه الأفعال بوصفها نقاط تصاعد درامي أو عناصر حبكة تقليدية، بل يستخدمها كوسيلة لإدخال المشاهد إلى داخل ذهن هذا الرجل، خطوة بخطوة، وبإصرار مرهق، من دون أي محاولة لتفسير أو تبرير أو تهذيب التجربة.
ما يميز الفلم بصورة صادمة هو غياب الحوار شبه التام. لا نسمع أصوات الضحايا، ولا نشهد محاولات للتواصل أو التفاعل الإنساني، بل يهيمن صوت واحد على الفلم بأكمله: الصوت الداخلي للقاتل. أفكاره، هواجسه، تشوشه الذهني، وتدفقه غير المنقطع، كلها تُفرض على المشاهد فرضًا، بحيث يصبح المتلقي محاصرًا داخل وعي شخص منقطع تمامًا عن أي إحساس إنساني يمكن التعاطف معه.
اللغة البصرية للفلم تعزز هذا الاختناق المستمر. حركة الكاميرا عصبية وغير مستقرة، أحيانًا قريبة إلى حد يبعث على النفور، كأنها تلتصق بالجسد أو تلاحقه بلا هوادة، فيما تأتي الموسيقى بنغمة نشاز غير منسجمة لتعميق الشعور بالاختلال وانعدام التوازن. كل عنصر تقني في الفلم يعمل باتجاه واحد: إلغاء راحة المشاهد، ومنعه من إيجاد أي موضع استقرار عاطفي أو ذهني.
لا يقدم الفلم القاتل كشخصية قابلة للافتتان أو التحليل المريح، ولا حتى يفتح باب الفضول الأخلاقي الذي تسمح به كثير من أفلام السياكوباثية. حتى حين يستحضر الفلم إشارات إلى إساءة تعرض لها في طفولته، تظل جزءًا إضافيًا من تشوه داخلي مغلق على ذاته، غير قابل للفهم أو الإصلاح.
النتيجة تجربة مشاهدة خانقة ومرهقة، إذ يصر الفلم على إبقاء المشاهد داخل عقل منفصل عن الواقع، بلا فواصل، وبلا رحمة، حيث تتحول المتابعة نفسها إلى عبء نفسي يصعب احتماله.







مايعجبني في مقالاتك انها مصنوعة بحب ووعي وهذا واضح من اليه طرح المواضيع
متطلع جداً للمقال والموضوع القادم
كل الحب والدعم 🙏🏼
وفلم اليوم بيكون Angst
مقال مذهل، ورائع تحليلك وعرضك للأفلام